أهمية الحياة المثالية
الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان وكرّمه، وهداه النجدين، وأمره بالسير في طريق الخير والصلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وداعياً إلى صراطه المستقيم، صلى الله وسلم وبارك علي سيدنامحمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فإن تقوى الله خير زاد، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أيها المسلمون، إن الإسلام لا يريد للإنسان حياةً مضطربةً خاليةً من المعنى، ولا يريد منه أن يعيش لنفسه وشهواته ومصالحه المادية فقط، وإنما يريد له حياةً طيبةً متوازنةً مثاليةً، تجمع بين صلاح القلب، واستقامة السلوك، وحسن العلاقة بالله وبالناس.
قال الله سبحانه وتعالى:﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.فهذه هي الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده: إيمانٌ وعمل صالح، وطمأنينةٌ في القلب، واستقامةٌ في السلوك.
عباد الله، الحياة المثالية في الإسلام تبدأ بإصلاح العلاقة مع الله تعالى.فالإنسان مهما امتلك من المال والجاه والعلم، فإنه لا يستطيع أن يجد السعادة الحقيقية إذا كان قلبه بعيداً عن ربه.
قال الله تعالى:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
فالصلاة في وقتها، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والاستغفار، والتوكل على الله، كلها أسباب لبناء حياة مستقرة مطمئنة.
ثم إن الحياة المثالية تقوم على حسن الأخلاق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق».فالمسلم المثالي ليس هو الذي يكثر من الكلام عن الدين فقط، وإنما هو الذي يظهر أثر الدين في أخلاقه ومعاملاته.يصدق ولا يكذب،ويفي ولا يغدر، ويرحم ولا يقسو،ويعفو ولا ينتقم،ويحترم الكبير، ويرحم الصغير، ويحسن إلى الجار، ويكرم الضيف. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا».
أيها المؤمنون،ومن أهم مقومات الحياة المثالية بر الوالدين وصلة الأرحام.قال الله تعالى:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.فكم من إنسان يبحث عن السعادة بعيداً، بينما أبواب البر والسعادة مفتوحة أمامه في بيته!
فلنحسن إلى آبائنا وأمهاتنا، ولنحفظ حقوق أزواجنا وأبنائنا، ولنصل أرحامنا، ولننشر المحبة بين أفراد أسرنا.
عباد الله،ومن جوانب الحياة المثالية كذلك التوازن بين أمور الدين والدنيا. الإسلام لا يأمر الإنسان بترك الدنيا، وإنما يأمره بألا تجعل الدنيا قلبه وهدفه الأكبر.
قال الله تعالى:﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.فليكن المسلم ناجحاً في عمله، نافعاً لمجتمعه، حريصاً على طلب العلم، محافظاً على صحته، حسن التدبير لماله، وفي الوقت نفسه متعلقاً بالآخرة ومستعداً للقاء الله.والحياة المثالية ليست حياةً بلا مشكلات، وإنما هي حياة يعرف صاحبها كيف يتعامل مع المشكلات بالإيمان والصبر والحكمة.قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.فإذا جاء البلاء صبر، وإذا جاءت النعمة شكر، وإذا أخطأ تاب، وإذا ظلم عفا، وإذا ضاقت به الدنيا لجأ إلى الله.
أيها المسلمون،إن من أعظم أسباب فساد الحياة في زماننا: الانشغال المفرط بالمظاهر، والمقارنة بالآخرين، والإفراط في استخدام وسائل التواصل، وإضاعة الأوقات، وغياب الحوار داخل الأسرة.فلنراجع حياتنا، ولنسأل أنفسنا: هل صلاتنا مستقيمة؟هل علاقتنا بوالدينا حسنة؟
هل بيوتنا مليئة بالمودة والرحمة؟هل أموالنا حلال؟
هل ألسنتنا محفوظة من الغيبة والكذب؟هل أوقاتنا مستثمرة فيما ينفع؟هل نترك بعدنا أثراً طيباً في المجتمع؟
قال الله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فلنبدأ بإصلاح أنفسنا، ولنحوّل بيوتنا إلى بيوت إيمان ورحمة، ولنحوّل أخلاقنا إلى دعوة صامتة إلى الإسلام.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم