مكانة المرأة في الإسلام: حقوق المرأة وحدودها


الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي كرَّم الإنسان، ورفع قدره، وجعل التقوى ميزان الفضيلة، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل للمرأة مكانتها، وصان كرامتها، وأعطاها من الحقوق ما يحفظ إنسانيتها، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من علَّم الناس حقوقهم وواجباتهم، صلى الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى أساس الصلاح، وميزان الكرامة، قال تعالى
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1]
أيها المسلمون
إن من القضايا التي اعتنى بها الإسلام عناية عظيمة قضية المرأة ومكانتها وحقوقها؛ لأن صلاح المرأة صلاح للأسرة، وصلاح الأسرة صلاح للمجتمع، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله
لقد جاء الإسلام في وقت كانت المرأة فيه تتعرض لأنواع من الظلم والامتهان، فجاء القرآن الكريم ليقرر أصلًا عظيمًا أن المرأة والرجل يشتركان في أصل الإنسانية، وأن التفاضل الحقيقي إنما يكون بالتقوى والعمل الصالح

مكانة المرأة في الإسلام: حقوق المرأة وحدودها

قال الله تعالى
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]
وقال سبحانه
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً  [النحل: 97]
فالإسلام لم يجعل المرأة كائنًا هامشيًّا، ولم يسلبها شخصيتها، بل جعلها مكرمة محترمة، لها حقوق وعليها واجبات، كما أن الرجل له حقوق وعليه واجبات
أيها الأحبة
لقد رفع الإسلام مكانة الأم رفعًا عظيمًا، وجعل برها من أجلِّ القربات، وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»
وتأملوا كيف كرر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأم ثلاث مرات، لما تتحمله من الحمل والولادة والرضاعة والتربية والرعاية
كما حفظ الإسلام حق الزوجة، وأمر بحسن معاشرتها، فقال سبحانه
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 19]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
فالرجولة في الإسلام ليست ظلم الزوجة، ولا رفع الصوت عليها، ولا إهانتها، ولا الاعتداء عليها، وإنما الرجولة مسؤولية ورحمة وقيام بالواجب.
وحفظ الإسلام حق البنت، ونهى عن احتقارها أو تفضيل الذكور عليها، وجعل الإحسان إلى البنات سببًا للأجر العظيم
أيها المسلمون
ومن حقوق المرأة التي أقرها الإسلام: حقها في المهر، وحقها في النفقة، وحقها في الميراث، وحقها في التملك والتصرف في مالها، وحقها في الكرامة، وحقها في التعليم النافع، وحقها في أن تُعامل بالمعروف
قال الله تعالى:
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء: 32].
وقال سبحانه في الميراث لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ [النساء: 7]
فليتق الله من يحرم المرأة ميراثها، أو يأكل مالها، أو يجبرها على التنازل عن حقها بغير رضاها.
عباد الله،
لكن من المهم أن نفهم أن الحقوق في الإسلام ليست بلا حدود، كما أن الحرية في الإسلام ليست انفلاتًا من كل ضابط.
فالمرأة مكرمة، ولكنها مطالبة بالتقوى والعفة والحجاب وصيانة نفسها، كما أن الرجل مطالب بغض البصر والعفة وحفظ الحدود
قال الله تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: 71]
فالمرأة في الإسلام ليست بلا مسؤولية، كما أن الرجل ليس بلا مسؤولية.
وليس من العدل أن نطالب المرأة بحقوقها وننسى واجباتها، كما ليس من العدل أن نطالبها بالواجبات ونحرمها حقوقها.
إن الشريعة جاءت بالعدل والتوازن؛ فلا إفراط ولا تفريط، ولا ظلم ولا استغلال.
أيها المؤمنون،
إن الأسرة المسلمة لا تقوم على الصراع بين الرجل والمرأة، وإنما تقوم على السكن والمودة والرحمة والتعاون.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
فليتق الله الأزواج في زوجاتهم، ولتتق الله الزوجات في أزواجهن، وليتق الله الآباء والأمهات في بناتهم وأبنائهم.
واعلموا أن المرأة ليست خادمةً تُهان، وليست سلعةً تُستغل، وليست خصمًا للرجل، بل هي أم وأخت وبنت وزوجة، وهي شريكة في بناء الأسرة والمجتمع.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم

بقلم:عبد الله البلنوري

Scroll to Top