البيئة في الإسلام.. أمانة شرعية ومسؤولية إنسانية

image

الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الكون بميزان دقيق، وجعل الأرض صالحة للحياة والعمران، وسخّر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ الذي أرشد البشرية إلى كل خير، وحذّرها من كل فساد وإفساد.
إن قضية البيئة لم تعد اليوم شأنًا محليًا أو موضوعًا هامشيًا، بل أصبحت من أهم القضايا العالمية التي تشغل الحكومات والمؤسسات والمجتمعات، لما يترتب على الإخلال بالنظام البيئي من آثار خطيرة تهدد حياة الإنسان والكائنات جميعًا. والإسلام، منذ أربعة عشر قرنًا، سبق إلى وضع الأسس والقيم التي تكفل حماية البيئة وصيانة مواردها.
لقد قرر القرآن الكريم أن الإنسان مستخلف في هذه الأرض، وأن مهمته ليست الاستغلال الجائر، بل الإعمار والإصلاح، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، كما نهى سبحانه عن الإفساد في الأرض فقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وهذه النصوص تؤكد أن المحافظة على البيئة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي واجب ديني ومسؤولية شرعية.
وقد لفت القرآن أنظار الناس إلى نعم الله في الماء والنبات والهواء والبحار والأنعام، داعيًا إلى التأمل فيها وشكر المنعم عليها. فالماء أصل الحياة، والنبات مصدر الغذاء، والأرض مهد العمران، وكلها نعم تستوجب الحفظ والرعاية وعدم التبذير أو الإفساد.
كما أرست السنة النبوية مبادئ عظيمة في هذا المجال؛ فحثّ النبي ﷺ على النظافة والطهارة، وجعلها من خصال الإيمان، ونهى عن تلويث الطرق ومصادر المياه، وأمر بغرس الأشجار ورعاية الحيوان، حتى جعل غرس الشجرة صدقة جارية يؤجر عليها المسلم ما دام ينتفع بها إنسان أو حيوان أو طير.
إن التحديات البيئية المعاصرة من تلوث الهواء والمياه، وإزالة الغابات، والإسراف في استهلاك الموارد، وتغير المناخ، تفرض على المسلمين أن يستحضروا القيم الإسلامية في التعامل مع الطبيعة، وأن يشاركوا بفاعلية في كل الجهود الرامية إلى حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
ومن الواجب على المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية أن تعزز الوعي البيئي في نفوس الأجيال، وأن تربط بين حماية البيئة ومقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل. فالبيئة السليمة أساس لصحة الإنسان واستقرار المجتمع واستمرار الحياة الكريمة.
إننا بحاجة إلى ثقافة بيئية تنطلق من الإيمان بالله تعالى، وتستند إلى الشعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة، فالأرض ليست ملكًا لجيل واحد، وإنما هي أمانة مشتركة بين البشر جميعًا. وإن المحافظة على البيئة عبادة يتقرب بها المؤمن إلى ربه، كما أن الإضرار بها صورة من صور الفساد الذي نهى الله عنه.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للقيام بواجب الاستخلاف في الأرض، وأن يجعلنا من أهل الإصلاح والبناء، وأن يحفظ عالمنا من أسباب الفساد والدمار، إنه ولي ذلك والقادر عليه

بقلم: فضيلة مفتي الهند الشيخ أبو بكر أحمد

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top