إسهامات المرأة في التفسير والبيان: قراءة في المناهج والمشاريع النسائية المعاصرة لخدمة القرآن الكريم

شهد العصر الحديث نهضة علمية بارزة في مجال الدراسات القرآنية، ولم تكن المرأة بمعزل عن هذا الحراك المعرفي الجليل؛ بل سجلت حضوراً لافتاً ومميزاً من خلال تصدّي باحثات وداعيات وأكاديميات لتفسير كتاب الله عز وجل، ووضع بصمات منهجية تجمع بين أصالة النقل، وعمق النظر البياني، ومعايشة الواقع الاجتماعي المعاصر.
يقدم هذا المقال إطلالة تحليلية على أربعة مشاريع تفضلت بها ثلة من المفسرات والباحثات في العالم الإسلامي، مستعرضاً مناهجهن، وأبرز السمات العلمية لأعمالهن.

1.

“المبصر لنور القرآن”: ربط النص بالواقع والمنهج الأثري
للمفسرة والداعية الفلسطينية: نائلة هاشم صبري
يُعد كتاب “المبصر لنور القرآن” نموذجاً فريداً للمشاريع العلمية التي ولدت من رحم الإصرار والمثابرة؛ حيث عكفت الداعية الفلسطينية نائلة هاشم صبري (زوجة الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى ورئيس الهيئة الإسلامية العليا) على تشييده منذ عام 1982م. يتكون التفسير في خطته الإجمالية من عشرة أجزاء، يضم كل جزء منها تفسير ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، وقد أنجزت المفسرة منه حتى الآن تفسير ستة وعشرين جزءاً (وصولاً إلى سورة الذاريات)، بالإضافة إلى إفرادها جزء “عمَّ” بالتفسير تلبيةً لرغبة طالبات العلم والمهتمين.
المنهج العلمي والخطوات التفسيرية:
اعتمدت صبري في “المبصر” على أسلوب سلس يناسب طالبات العلم والجمهور العام، وسلكت في تحريره خطوات منهجية منضبطة كالتالي:
تفسير القرآن بالقرآن: بالبدء بربط الآيات بمثيلاتها وتفصيل مجملها.
التفسير بالمأثور: بالاعتماد على السنة النبوية الشريفة، ثم أقوال الصحابة، فالتابعين، مع استعراض آراء العلماء.
المعايشة والربط بالواقع: تفحص واقع الأمة الإسلامية وربطه بمجمل معاني الآيات، ثم استخلاص الأحكام الشرعية والعبر التربوية والاجتماعية.
وقد واجه المشروع في بداياته تحديات تمثلت في صعوبة ربط الآيات المدنية الطويلة (كالبقرة وآل عمران) الزاخرة بالأحكام بوقائع العصر، مما دفعها للتعمق في أمهات كتب الفقه والحديث والعلوم الحديثة لإبراز الإعجاز العلمي والكوني، ناهيك عن المرجفين الذين حاولوا ثنيها عن الاستمرار، لتتغير نظرتهم ويتحولوا إلى حريصين على اقتنائه فور خروج الجزء الأول للنوّر، مدعومةً بتشجيع أهل الاختصاص؛ كالدكتور إسماعيل المغاربة (كاتب المقدمة) وزوجها فضيلة الشيخ عكرمة صبري.

2.

“التفسير البياني للقرآن الكريم”: التجديد اللغوي والعقلي
للأستاذة الدكتورة: عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)
أحدثت الدكتورة عائشة عبد الرحمن ثورة منهجية في التناول التفسيري من خلال كتابها “التفسير البياني للقرآن الكريم”، والذي خصصته لتفسير السور القصار من كتاب الله، منطلقة من رؤية بلاغية ونقدية خاصة تؤمن بعبقرية اللسان العربي وتفرّد النظم القرآني.
السمات المنهجية والمستهدفات:
التلمس الدلالي للألفاظ: تتبع الألفاظ القرآنية في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية للوصول إلى الدلالة الأصلية الدقيقة.
المزاوجة بين العقل والنقل: لم تكتفِ بنت الشاطئ بِنقل آراء الأقدمين، بل عرضتها على المنطق العقلي المقبول، مما أتاح لها تجديداً حقيقياً في التناول والهدف والتفنيد لآراء القدامى والمحدثين على حد سواء.
الدفاع عن اللغة العربية: مثّل هذا المنهج خط دفاع فكري وحضاري قوي أثبت مرونة اللغة العربية وقدرتها الاستيعابية العالية في عصرٍ وُصمت فيه زيفاً بالقصور عن مواكبة المصطلحات التقنية والعلمية الحديثة.

3.

“التوضيح والبيان في تفسير آي القرآن”: الموسوعية والجمع
للدكتورة: ماجدة فارس عبد الرزاق الفارس الشمري
يمثل كتاب “التوضيح والبيان” الصادر عام 1438هـ في (8 مجلدات) ثمرة جهد تعليمي وتربوي تطبيقي امتد لأربعة عشر عاماً (من 1998 حتى 2012م)، حيث صِيغت مادته أساساً من دروس ومجالس علمية قدمتها الدكتورة ماجدة الشمري للطالبات والباحثات في دولة الإمارات العربية المتحدة.
المرتكزات الأساسية للتفسير:
على الرغم من أن المنية وافت هذا المشروع دون اكتماله لجميع أجزاء القرآن، إلا أنه تميز بقيمة علمية متميزة وفائقة، ترتكز على محورين:
الاختصار الواعي لأمهات التفاسير: جمعت الباحثة وعصّرت زبدة الآراء من أشهر التفاسير المعتمدة قديماً وحديثاً (مثل: ابن عطية، ابن كثير، القرطبي، الشوكاني، ابن عاشور، السعدي، سيد قطب، رشيد رضا، النابلسي، والشعراوي).
المناقشة والتقييم: تقييم القضايا المثيرة للخلاف في الماضي أو الحاضر بروح علمية شمولية وموضوعية.

4.

“تفسير القارئ”: مدّ الجسور المعرفية لغير الناطقين بالعربية
للباحثة التركية: سمرا كورون جكمقيل
انطلاقاً من الأمر الإلهي الأول والأسمى في الإسلام، أصدرت الباحثة التركية سمرا كورون جكمقيل عام 2006م كتابها الموسوعي “تفسير القارئ” باللغة التركية، والذي وقع في (13 مجلداً).
الغاية والأثر:
أكدت الباحثة في مقدمة عملها أن هذا التفسير جاء ليلبي حاجة علمية ماسة للمجتمع التركي، مع توجيه اهتمام خاص لشريحة السيدات والفتيات؛ بهدف تيسير فهم كلام الله عز وجل، وفتح نوافذ الهداية والتدبر أمام المجتمعات غير الناطقة بالعربية عبر لغة علمية رصينة ومبسطة في آن واحد.
و أخيرا
إن هذه المصنفات المتنوعة في مناهجها—بين الأثري الاجتماعي، والبياني اللغوي، والموسوعي المختصر، والمترجم—تؤكد على أن المرأة المسلمة كانت ولا تزال رافداً أساسياً من روافد الفكر الإسلامي، ومساهماً أصيلاً في صيانة الهوية المعرفية للأمة، وتقديم كتاب الله للأجيال المتعاقبة بروح تجمع بين فقه النص وفقه الواقع.

اعداد:عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top