بين رفض العدوان واليقظة العقدية
انشغلت وسائل الإعلام العالمية خلال الأيام الماضية بمراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني، حتى غدت الحدث الأبرز في نشرات الأخبار ووسائل التواصل. ورغم الخسارة التي مُنيت بها إيران بفقدان قائدها، فإنها استطاعت أن تحول المناسبة إلى منصة إعلامية استقطبت اهتمام العالم، واستثمرها أتباع المذهب الشيعي في إبراز حضورهم والتعريف بأفكارهم وشعائرهم.
وقد أظهرت هذه الأحداث اتساع النشاط الشيعي في عدد من دول العالم. ففي شهر محرم، وعلى الرغم من القيود المفروضة على المظاهر العامة في بعض دول الخليج، أقيمت الشعائر والمواكب في أماكن متعددة، كما تتواصل محاولات نشر الفكر الشيعي والتوسع في مجتمعات جديدة، ومنها بعض مناطق ولاية كيرلا الهندية.
ولا ريب أن العدوان الإسرائيلي على إيران عدوان مرفوض ومدان، وأن الوقوف ضد الظلم والاعتداء مبدأ شرعي وإنساني لا خلاف فيه. غير أن هذا الموقف لا ينبغي أن يدفع إلى إغفال جانب آخر لا يقل أهمية، وهو استغلال بعض الجهات لهذه الأحداث في الترويج لأفكارها ومعتقداتها داخل المجتمعات الإسلامية.
ومن المؤسف أن بعض الكتّاب والخطباء بالغوا في الإشادة بإيران، وركزوا في خطاباتهم على قوتها وصمودها وشجاعتها، دون التفريق بين الموقف السياسي من العدوان، والموقف العقدي من المذهب. وهذا الخلط قد يؤدي – من حيث لا يشعر البعض – إلى تلميع أفكار تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة، وإيجاد حالة من التعاطف غير المنضبط معها.
إن الإنصاف يقتضي التفريق بين رفض العدوان على أي دولة مسلمة، وبين تبني أو ترويج المعتقدات المخالفة للكتاب والسنة. فالحكم على الاعتداء شيء، والحكم على المناهج العقدية شيء آخر، ولا يجوز أن يطغى أحدهما على الآخر.
ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء والدعاة وطلبة العلم مسؤولية عظيمة، تقتضي ترسيخ الوعي العقدي، وبيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، مع التحلي بالعدل والإنصاف، بعيدًا عن الغلو أو التهوين. كما ينبغي توعية عامة المسلمين بضرورة التمييز بين المواقف السياسية المتغيرة، والثوابت العقدية التي لا تقبل المساومة.
إن الحفاظ على صفاء العقيدة، وتعزيز الوعي العلمي، ونشر المنهج الصحيح بالحجة والبرهان، هو السبيل الأمثل لمواجهة الانحرافات الفكرية، مع الالتزام بأخلاق الإسلام في العدل، والإنصاف، والحوار الهادئ، والابتعاد عن التعميم والاتهام بغير بينة