خطبة الجمعة: أهمية الشكر وأنواعه وكيفيته وفوائده
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في محكم تنزيله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فإنها خير زاد ليوم المعاد.
أيها المسلمون، إن الشكر من أجلِّ العبادات وأعظم الطاعات، وهو دليل على معرفة العبد بربه وإقراره بفضله وإحسانه، وقد امتن الله تعالى على عباده بنعم لا تُحصى ولا تُعد، فقال سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. ومن تأمل في نعمة الإيمان والصحة والأمن والعافية والرزق والأهل والولد علم أن فضل الله عليه عظيم، وأن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر والحمد والثناء.
وقد جعل الله تعالى الشكر سببًا لزيادة النعم وبقائها، فقال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، ولذلك كان الأنبياء والصالحون من أكثر الناس شكرًا لله تعالى، فقال عز وجل عن نبيه نوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3].
أيها المؤمنون، للشكر أنواع ثلاثة: أولها شكر القلب، وهو أن يعترف العبد أن كل نعمة لديه إنما هي من الله تعالى، فلا ينسب الفضل إلى نفسه ولا إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وثانيها شكر اللسان، وذلك بالإكثار من الحمد والثناء على الله تعالى، والتحدث بنعمه دون فخر أو رياء، قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. وثالثها شكر الجوارح، ويكون باستعمال النعم فيما يرضي الله تعالى، والابتعاد عن معصيته، قال عز وجل: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13].
أما كيفية الشكر، فتكون أولًا بمعرفة النعمة ونسبتها إلى الله تعالى، ثم بحمده والثناء عليه في كل حال، والمحافظة على الصلاة والعبادات، والإنفاق في سبيل الخير، والإحسان إلى الخلق، واستعمال الصحة والمال والعلم والوقت فيما يرضي الله عز وجل. ومن تمام الشكر شكر الناس على معروفهم، فقد قال النبي ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
عباد الله، إن للشكر فوائد عظيمة؛ فهو سبب لزيادة النعم ودوامها، وسبب لنيل رضا الله تعالى ومحبته، ويورث الطمأنينة والسعادة في القلب، ويبارك الله به في الأعمار والأرزاق والأعمال، ويحفظ النعم من الزوال، ويرفع الدرجات في الدنيا والآخرة. ولذلك كان السلف الصالح يعدون الشكر من أعظم أسباب الفوز والنجاح، لأن العبد الشاكر يرى نعم الله في كل أحواله، فيزداد قربًا من ربه ومحبة له.
فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من حمده وشكره على ما أنعم به عليكم، وعوِّدوا أبناءكم على شكر الله تعالى في السراء والضراء، فإن الشكر مفتاح البركات، وعنوان الإيمان، وسبب السعادة في الدنيا والآخرة.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من عبادك الشاكرين، وبارك لنا فيما رزقتنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين