الوليّ الصالح مَادَوَنَ آلوفاي أبو بكر مسليار (قدس الله سره)

image

انتشر الإسلام في ولاية كيرلا الهندية من خلال السيرة النقية للقادة الروحيين وما بثّوه في المجتمع من قيم سامية وأفكار إصلاحية. وقد حظيت هذه البلاد منذ العصور الأولى باستضافة الأولياء والعلماء والاستماع إليهم والاقتداء بهم. وكان من بين هؤلاء العظماء الذين جعلوا نشر الثقافة الإسلامية وإشعاعها هدفًا لحياتهم الصحابة الكرام والسادة الأشراف وغيرهم من أهل الصلاح.

وفي المراحل اللاحقة، تولّى زمام العمل الإسلامي والإصلاح الاجتماعي عدد من المتصوفة والعلماء المحليين، الذين لا تزال أضرحتهم ومقاماتهم منتشرة في مختلف أنحاء كيرلا شاهدةً على آثارهم المباركة.

ومن بين هؤلاء الأعلام البارزين الشيخ مَادَوَنَ آلوفاي أبو بكر مسليار، الذي عاش في منطقة موديكّل بالقرب من مدينة آلوفا، وكان من كبار العلماء والمرشدين الروحيين الذين أناروا للمسلمين في كيرلا طريق الهداية خلال القرن الماضي.

وُلد الشيخ سنة 1884م في أسرة «مادون» بموديكّل. ومنذ صغره عُرف بحب العلم ومجالسة الصالحين. وكان والده الحاج علي رجلًا صالحًا كريم الأخلاق، فحرص على تعليمه القرآن الكريم والعلوم الدينية الأساسية، ثم ألحقه بحلقات الدرس الشرعي في أشهر المراكز العلمية آنذاك.

وتلقى الشيخ علومه في عدد من المراكز الإسلامية العريقة في كيرلا، منها: بونّاني، ووليانكود، وكوتّاي، وباناييكولم، وكودونغالور، وتيرورنغادي، وإدافاناكّاد، وهي من أبرز المراكز العلمية الإسلامية التي عُرفت في تاريخ كيرلا.

وكان شيوخه في تلك المدارس العلمية لا يتميزون بسعة العلم فحسب، بل كانوا أيضًا مناراتٍ روحيةً تهدي السالكين. ومن خلال تلك البيئة العلمية والروحية تبلورت شخصية الشيخ أبو بكر مسليار العرفانية. فقد عُرف منذ شبابه بالإقبال على العبادة وكثرة الدعاء والزهد في متاع الدنيا، إلى جانب تحصيله لمختلف العلوم الشرعية.

كما حرص على مجالسة العلماء والعارفين بالله، سواء من الأحياء أو من أصحاب المقامات المشهورة، وتلقى منهم الإجازات والأوراد والسلاسل الصوفية، فكانت تلك الصحبة المباركة طريقه إلى مراتب السلوك والمعرفة الروحية.

ولم تكن أسرته من الأسر الثرية، بل عانى في أثناء طلبه للعلم من الفقر وشظف العيش، غير أن ذلك لم يثنه عن مواصلة دراسته. ويذكر أصحاب سيرته أنه أثناء دراسته في بونّاني كان يقتات أحيانًا على كُسب الزيت والماء فقط. وبعد سنوات من المثابرة أكمل دراسته سنة 1903م، وكان عمره آنذاك تسعة عشر عامًا.

وخلال تلك الفترة اتخذ الشيخ فريد الدين ولي الله (رحمه الله)، المدفون في «خلوة المسجد»، مرشدًا روحيًا له، ونهل على يديه العلوم والمعارف الروحية.

وبعد انتهاء دراسته عاد إلى منطقته مزودًا بالعلم والبصيرة، فعُيّن مدرسًا في مسجد ومحلة تشيروفيلكنّو، وسرعان ما أصبحت حلقته العلمية مقصدًا للطلاب الراغبين في تعلم العلوم الظاهرة والباطنة، فتحولت إلى مركز علمي مزدهر.

وعلى الرغم من مكانته الروحية العالية وزهده المعروف، لم يعزف الشيخ عن الحياة الأسرية، فتزوج سنة 1941م من السيدة تاج النساء، ابنة الحاج بخاري صاحب الأسرة المعروفة «كوديلنغال». وكان عمره حينئذ سبعة وخمسين عامًا.

وقد اشتهر الشيخ آلوفاي أبو بكر مسليار بما نُقل عنه من الكرامات والأحوال الصالحة، وشهد له بذلك العلماء والقادة وأهل عصره. كما أن عددًا من أصحاب الاتجاهات الإصلاحية وغير المسلمين تأثروا بأخلاقه وتوجيهاته فعادوا إلى الطريق القويم.

وكان المسلمون وغير المسلمين يقصدونه طلبًا للنصح والدعاء وقضاء الحاجات الروحية والدنيوية، ولا يزال كثير من الناس يتوجهون إلى مقامه متبركين بسيرته ومكانته عند الله تعالى.

كما أسس الشيخ مجالس للذكر والتربية الروحية داخل كيرلا وخارجها، وأسهم في إعداد عدد كبير من الدعاة والمرشدين الروحيين.

وفي سن التسعين تقريبًا اختتم رحلته المباركة في هذه الدنيا، حيث انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم 3 يناير 1974م الموافق 12 ذو الحجة، واشتهر بين الناس بلقب «آلوفاي موپّر». ويقع ضريحه في منطقة موديكّل على الطريق الرابط بين آلوفا وبيرومبافور، ولا يزال مقصدًا للزائرين ومحبي الصالحين.

رحم الله الشيخ آلوفاي أبو بكر مسليار رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top