نقل الأضحية بين البلدان وأحكامه الفقهية
مسألةُ نقلِ الأضحيةِ من بلدٍ إلى بلدٍ آخرَ من المسائلِ الفقهيةِ التي وقع فيها الخلافُ بين العلماء، لارتباطها بمقاصدِ الأضحيةِ وشعيرةِ إطعامِ الفقراء وإدخالِ السرور عليهم في أيام العيد. وقد بحث الفقهاء هذه القضية قديمًا، وتكلّموا على حكم نقل لحوم الأضاحي قياسًا على نقل الزكاة، مع مراعاة مصالح الفقراء والحاجات المختلفة بين البلدان. وتبرز أهمية هذه المسألة في عصرنا الحاضر مع سهولة النقل، وكثرة الجهات التي تقوم بتوزيع الأضاحي في البلاد الفقيرة والمناطق المنكوبة.
اتفق العلماء على أن محل التضحية هو محل المضحي، سواء كان بلده أو موضعه من السفر.
وذكر الإمام النووي في نقل الأضحية من بلد إلى آخر وجهان في مذهب الشافعية تخريجاً من نقل الزكاة. المجموع ٨/ ٤٢٥.
ونص الماوردي على أن المضحي لا يمنع من إخراج لحوم الضحايا عن بلد المضحي الحاوي ١٥/ ٧
وسئل الشيخ شمس الدين محمد الرملي: [هل يجوز نقل الأضحية عن بلد التضحية أم لا؟
فأجاب: بأنه لا يجوز نقلها، ولو أضحية تطوع، بل يتعين فقراء بلدها، لأن أطماعهم تمتد إليها لكونها مؤقتة بوقت كالزكاة بخلاف نقل المنذور ونحوه
فتاوى الرملي ٤/ ٦٨ – ٦٩.
قال في نجم الزواج في شرح المنهاج
ومحل التضحية: بلد المضحي حيث كان في وقتها.
وفي نقلها وجهان خرجا من نقل الزكاة، وفيه وقفة في المتطوع بها، وهل يتعين فقراء بلد الذبح؟ فيه وجهان. نجم الوهاج
قال الامام تقي الدين الحصني الشافعي في كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار [1/534]: ( مَحل التَّضْحِيَة بلد المضحي، وَفِي نقل الْأُضْحِية وَجْهَان تخريجاً من نقل الزَّكَاة، وَالصَّحِيح هُنَا الْجَوَاز وَالله أعلم).
قال ابن قاسم العبادي في “حاشيته على الغرر البهية في شرح البهجة الوردية” لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (5/ 170،
[قال في “الروض”: (ونقلها عن بلدها كنقل الزكاة) اهـ. وهو المعتمد وإن نازع الإسنوي فيه، فالمراد بالفقير: فقير بلدها، وينبغي أن يعلم أن المراد ببلدها: بلد ذبحها.
قال الإمام الإسنوي في “المهمات” (9/ 51، ط. دار ابن حزم): [الصحيح: الجواز، فاعلمه؛ فإنهما قد صححا في كتاب “قسم الصدقات” جواز نقل المنذور، وهذه الأضحية فرد من أفرادها] اه
وقال المالكية: ولا يجوز نقلها إلى مسافة قصر فأكثر، إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب، فيجب نقل الأكثر لهم، وتفرقة الأقل على أهله.
وقال الحنابلة والشافعية كالمالكية: يجوز نقلها لأقل من مسافة القصر، من البلد الذي فيه المال، ويحرم نقلها كالزكاة إلى مسافة القصر وتجزئه..” انتهى
الفقه وأدلته:٤/٢٨٢
جاء في الفتاوى الهندية “
وَيُكْرَهُ نَقْلُهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى قَرَابَتِهِ أَوْ إلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ إلَيْهَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي
جاء في الشرح الكبير للدردير:
“وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا لِمَسَافَةِ قَصْرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَحْوَجَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ الذَّبْحِ فَيَجُوزُ، بَلْ يَجِبُ نَقْلُ الْأَكْثَرِ لَهُمْ’
جاء في المغني لابن قدامة: “فَأَمَّا نَقْلُهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ: فَإِنْ كَانَ لِقَرَابَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، فَلَا بَأْسَ”.
والذي رجحه الفقهاء في هذه المسألة: أن الأصل أن لا تنقل الأضحية من بلد المضحي، وأن توزع على فقراء بلده المحتاجين قياساً على الزكاة.
ويجوز نقلها إذا استغنى أهل بلد المضحي، بأن كثرت الأضاحي، وقلَّ عدد الفقراء فيصح نقلها إلى بلد آخر،
خلاصة الكلام:
يُستفاد من مجموع هذه النقولات الفقهية عدةُ فوائدَ مهمةٍ في مسألة نقل الأضحية من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، منها:
أن الأصل في الأضحية أن تكون في بلد المضحي؛ لأن محل التضحية هو بلد المضحي أو موضع إقامته وقت الذبح، ولذلك فالأصل أن يوزَّع لحمها على فقراء ذلك البلد.
أن مسألة نقل الأضحية محل خلاف بين الفقهاء، وقد خرَّج الشافعية الخلاف فيها على مسألة نقل الزكاة:
فمنهم من منع النقل قياسًا على الزكاة، وهو ما مال إليه الرملي وبعض المتأخرين.
ومنهم من أجاز النقل، خاصة في أضحية التطوع، وهو ما صححه الحصني والإسنوي وغيرهما.
أن سبب المنع عند القائلين به: تعلقُ أطماع فقراء البلد بالأضحية؛ لأنها شعيرة موسمية مؤقتة، فشابهت الزكاة من هذه الجهة.
أن كثيرًا من الفقهاء رخّصوا في النقل عند وجود مصلحة أو حاجة، مثل:
شدة حاجة فقراء البلد المنقول إليها.
وجود قرابة هناك.
كثرة الأضاحي في بلد المضحي وقلة المحتاجين فيه.
أن المالكية والحنابلة وطائفة من الشافعية فرّقوا بين النقل القريب والبعيد:
فأجازوا النقل اليسير.
ومنعوا النقل لمسافة القصر إلا لحاجةٍ أو مصلحةٍ راجحة.
أن الحنفية نصوا على كراهة النقل لا تحريمه، واستثنوا ما إذا كان المنقول إليهم أشد حاجة أو كانوا من الأقارب.
أن الراجح عند كثير من العلماء
أن بقاء الأضحية في بلد المضحي هو الأفضل والأصل.
ويجوز نقلها عند وجود حاجةٍ أو مصلحةٍ ظاهرة، خصوصًا إذا كان الفقراء في البلد الآخر أشد حاجة، أو كان أهل بلد المضحي قد استغنوا بكثرة الأضاحي.
أن المقصود الأعظم من الأضحية هو تحقيق شعيرة التعبد مع الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، فحيث تحققت المصلحة الشرعية الراجحة جاز اعتبارها في النقل والله اعلم

