رمي الجمرات في العصر الحديث بين التيسير والتأصيل الفقهي
اعداد:عبد الله الثقافي البلنوري الهندي
رمي الجمرات هو أحد مناسك الحج الواجبة التي تحمل معنى روحياً عميقاً وتاريخاً مقدساً. يُؤدى هذا النسك العظيم في مدينة منى المباركة خلال أيام عيد الأضحى وأيام التشريق.
التعريف : رمي الجمرات يتضمن قيام الحجاج برمي ثلاثة أعمدة حجرية مقدسة تُعرف بالجمرات:
الجمرة الصغرى (الأولى)
الجمرة الوسطى (الثانية)
الجمرة الكبرى (جمرة العقبة)
كل جمرة من هذه الجمرات لها موقعها المحدد في منى، ولها أحكامها وتوقيتاتها الخاصة
نظرًا إلى الزحام الشديد والمشقة، قامت حكومة المملكة العربية السعودية بجعل الجمرات على أدوار متعددة؛ تيسيرًا على الحجاج في رمي الجمرات، ولا سيما كبار السن والنساء وغيرهم.
لكن يثار هنا سؤال فقهي: هل يشترط في رمي الجمرات من الأرض، أم يكفي وصولها إلى المرمى ولو من الأعلى أو في الهواء؟
وفي الحقيقة، فإن هذه المسألة لها تعلق بكلام الفقهاء؛ فقد نص كثير منهم على جواز رمي الجمرات ماشيًا أو راكبًا، ويُفهم من قولهم: «راكبًا» أن العبرة بوصول الحصاة إلى المرمى، ولو كان الرامي مرتفعًا عن سطح الأرض.
كما ورد عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يرمون من مواضع مرتفعة كالجبال عند شدة الزحام. وبناءً على ذلك، فإن رمي الجمرات من الأدوار المرتفعة يصح إذا توفرت سائر الشروط الشرعية للرمي
وجدير بالذكر ان قدامة بن عبد الله ) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء ليس ضرب ولا طرد وليس قيل إليك إليك . أخرجه الشافعي والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ( وأم سليمان بن عمرو بن الأحوص ) قالت : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة الحديث
قال النووي : مذهب مالك والشافعي وغيرهما أنه يستحب لمن وصل منى راكبا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ، ولو رماها ماشيا جاز ، وأما من وصلها ماشيا فيرميها ماشيا وهذا في يوم النحر ، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشيا وفي اليوم الثالث يرمي راكبا وينفر ، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما . وقال أحمد وإسحاق : يستحب يوم النحر أن يرمي ماشيا . قال ابن المنذر : وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة ، قال : وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أي حال رماه إذا وقع في المرمى ،. انتهى كلام النووي تحفة الاحودي
قال الامام الرملي
(فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ) رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ وُصُولِهِ (سَبْعَ حَصَيَاتٍ) أَيْ رَمَيَاتٍ (إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) لِلِاتِّبَاعِ. نهاية ٣٠٣/٣
[حاشية الشرواني]
يَفْعَلُونَهُ) لَعَلَّهُ فِي زَمَنِهِ وَإِلَّا فَالْمَوْجُودُ فِي زَمَنِنَا رَمْيُ بَعْضِ الْعَامَّةِ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إلَى بَطْنِ الْوَادِي وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَخِلَافُ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقَلِّدُوا الْقَائِلَ بِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يُجَوِّزُ الرَّمْيَ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إلَى خَلْفِ الشَّاخِصِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قوله: ولا يجوز من أعلى الجبل) اقتصر عليه الشارح في شرح بافضل وقال الكردي في حاشيته قوله من أعلاها أي إلى خلفها أما إذا رمى من أعلاها إلى المرمى، فإنه يكفي خلافا لما فهم منه هذه العبارة ونحوها عدم الإجزاء فقد صرح بالإجزاء في الإيعاب وقال القسطلاني في شرح البخاري اتفقوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها والاختلاف في الأفضل انتهى بحروفه ونقل النووي في شرح مسلم الإجماع على الجواز وصرح بالحكم الذي ذكرته ابن الأثير في شرح مسند الشافعي والزركشي في الخادم وغيرهما فلا ينبغي التوقف فيه وقد أشبعت الكلام على ذلك في بعض الفتاوى اهـ وتقدم عن سم آنفا ما يوافقه شرواني
تنبيه ) لو فرش في جميع المرمى أحجار فأثبتت كفى الرمي عليها كما هو ظاهر ؛ لأن المرمى ، وإن كان هو الأرض إلا أن الأحجار المثبتة فيه صارت تعد منه ويعد الرمي عليها رميا على تلك الأرض وقياس ذلك أنه لو بني على جميع المرمى دكة مرتفعة جاز الرمي عليها ؛ لأنها تعد تابعة لها فلو لم يستغرق المثبت أرض الجمرة فهل يجزئ الرمي عليه أو لا لإمكان الرمي على الخالي عنه فيه نظر ويتجه الإجزاء ولو ألقي على أرض المرمى أحجار كبار سترته بلا إثبات فهل يجزئ الرمي عليها لا يبعد الإجزاء ولو بني على جميع موضع الرمي منارة عالية لها سطح فهل يجزئ الرمي فوقها أو لا ؛ لأنه لا يعد رميا على الأرض فيه نظر سم وجزم الشلي وابن الجمال بالإجزاء في جميع ما ذكر فقالا وظاهر أنه لو هبط المرمى إلى نحو الأرض أو علا إلى السماء ورمى فيه أجزأ نظير الطواف وأنه لو بني عليه دكة أو منارة عالية أو سطح أو فرشت فيه أو بعضه أحجار وثبتت أو ألقيت على أرضه وسترته بلا إثبات كفى الرمي عليها ا هـ . ابن قاسم
يُعلم من هذه العبارة عدة أحكام وضوابط فقهية رئيسية، يمكن تلخيصها فيما يلي
1.
امتداد المرمى عموديًا (إلى الأعلى والأسفل)
الحكم: إن مكان الرمي لا ينحصر في سطح الأرض الأصلي فقط، بل يمتد عموديًا.
التوضيح: لو انخفض موضع الرمي وهبط إلى أسفل الأرض، أو ارتفع وعلا في اتجاه السماء، ورمى الحاج في هذا الفضاء المحاذي للمرمى، أجزأه ذلك وصح رميه. القياس هنا هو “قياس الطواف”؛ حيث يصح طواف من طاف في الأدوار العلوية للمسجد الحرام لأن الفضاء له حكم القرار.
2.
حكم البناء فوق المرمى (المنارات، الدكاكين، أو الجسور)
الحكم: يجوز الرمي على الأسطح المبنية فوق المرمى وتُجزئ الحاج.
التوضيح: لو بُنيت فوق المرمى “دكة” (منصة مرتفعة) أو “منارة عالية لها سطح” أو جسر، فإن الرمي فوق هذا السطح العالي صحيح؛ لأن هذه الأبنية تُعد تابعة للأرض ومستقرة عليها. (وهذا الحكم الفقهي هو الأساس النظري الذي اعتُمد عليه حديثًا في بناء جسر الجمرات متعدد الطوابق لتسهيل الزحام).
3.
حكم فرش أرض المرمى بالأحجار أو تثبيتها
تفصل العبارة في حالتين لفرش الأرض:
الأحجار المثبتة (المبنية): لو فُرشت أرض المرمى بالكامل أو بعضها بأحجار وتم تثبيتها، فإن الرمي عليها يجزئ؛ لأنها بتثبيتها أصبحت جزءًا من الأرض وتابعة لها.
الأحجار الكبار الملقاة (غير المثبتة): لو أُلقيت أحجار كبيرة على الأرض غطّت المرمى دون تثبيت (إسمنت أو بناء)، جزم الفقهاء المذكورون (الشلي وابن الجمال) بأن الرمي عليها يكفي ويجزئ أيضًا.
ملخص وخلاصة التوجيه الفقهي:
العبارة تُقرر قاعدة مرنة تتلخص في أن “الرمي يصح في فضاء المرمى وما اتصل به من بناء أو فرش”. لذلك جزم الشيخ الشلي وابن الجمال بالإجزاء والصحة في جميع الحالات السابقة (سواء علا البناء أو هبط، وسواء ثبتت الأحجار أو ألقيت بلا تثبيت)، تيسيرًا على الحجاج واعتبارًا للمكان بفضائه وقراره.
جاء في الفتوي الأزهر الشريف
يجوز أن يرمي الحاج الجمار راكبا، بل الأَوْلى أن يَرمِيَ الحاجُّ جمرةَ العقبة يوم النحر راكبًا إذا كان قد دخل (منى) راكبًا، ويرمي أيامَ التشريق ماشيًا، إلا يومَ النفر: فراكبًا، وهو مذهب الإمام الشافعي، وذلك لحديث جابر رضي الله عنه قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) رواه مسلم (1297
الرمي بحجر صناعي:
قال ابن حجر رحمه الله
( و ) في الكل ( كون المرمي حجرا ) للاتباع ولو حجر حديد ونقد وفيروزج وياقوت وعقيق وبلور وفسره في القاموس بأنه جوهر وقضيته أن المصطنع المشبه له ليس منه ، وهو ظاهر وزبرجد وزمرد ، وإن جعلت فصوصا مثلا ، وإن ألصقت بنحو خاتم فرماه بها فيما يظهر وكذان بالمعجمة وبرام ومرمر ، وهو الرخام كما في القاموس فقول شارح لا يجزئ الرخام سهو إلا إن ثبت أن منه نوعا مصنوعا وأن المرمي به منه وذلك ؛ لأنها من طبقات الأرض بخلاف ما ليس من طبقاتها كإثمد ولؤلؤ ومنطبع نحو نقد ، أو حديد ومر في مبحث المشمس أن الانطباع المد تحت المطرقة لكنه ثم يكفي ما بالقوة لا هنا لاختلاف الملحظين ونورة طبخت وواضح حرمة الرمي بنفيس كياقوت إن نقص به قيمته لحرمة إضاعة المال
تحفة ٤/ ١٣١
الرمي بالآلات:
قال ابن حجر رحمه الله
ترمون ولا رميه بنحو رجله أو قوسه أي : مع القدرة باليد وبه يجمع بين قول المجموع عن الأصحاب لا يجزئ بالقوس وقول آخرين يجزئ وكذا الرجل فمن قال يجزئ أراد إذا عجز باليد وجعل الحصاة بين أصابع رجليه ورمى بها
.تحفة المحتاج كتاب الحج
الرمي بحجر مسروق
قول المتن ( وكون المرمي حجرا ) أي ولو مغصوبا ونائي عبارة النهاية والظاهر أنه لو غصبه أو سرقه ورمى به كفى ثم رأيت القاضي ابن كج جزم به قال كالصلاة في المغصوب ا هـ .
شرواني
الرمي با اليد الزائد:
( فرع ) هل يجزئ الرمي باليد الزائدة فيه نظر سم على حج والأقرب عدم الإجزاء لوجود قدرته على اليد فلا يعدل إلى غيرها ع ش .
شرواني
الرمي بالآلة:
وقال الونائي ولو كان الرمي ضعيفا لا يصل بنفسه وأوصلته الريح لا يكفي ا هـ فينبغي حمل كلام الشارح والمغني وشرح الروض على ما إذا لم يكن ضعيفا لا يصل بنفسه
ابن قاسم
( قوله : وأن يكون راجلا إلخ ) عبارة النهاية والمغني ويسن أن يرمي راجلا لا راكبا إلا في يوم النفر فالسنة أن يرمي راكبا لينفر عقبه ا هـ وعبارة الونائي وأن يرمي راجلا في أيام التشريق إلا يوم نفره وراكبا فيه كما يركب في يوم النحر ا هـ وكل منهما شامل للنفرين بخلاف تعبير الشارح ، فإنه مختص بالثاني .
رمي العاجز:
قال ابن حجر رحمه الله
( ومن عجز ) ولو أجير عين على الأوجه ( عن الرمي ) لنحو مرض ويتجه ضبطه هنا بما مر في إسقاطه للقيام في الفرض ، أو جنون ، أو إغماء بأن أيس من القدرة عليه وقته ولو ظنا [ استناب ) وقت الرمي لا قبله وجوبا ولو بأجرة مثل وجدها فاضلة عما يعتبر في الفطرة فيما يظهر ولو محرما لكن إن رمى عن نفسه [ ص: 137 ] الجمرات الثلاث وإلا وقع له ، وإن نوى مستنيبه ،
تحفة المحتاج ٤/١٣٦
استنابة الجميع لشخص واحد
فرع ) لو أنابه جماعة في الرمي عنهم جاز كما هو ظاهر لكن هل يلزمه الترتيب بينهم بأن لا يرمي عن الثاني مثلا إلا بعد استكمال رمي الأول ، أو لا يلزمه ذلك فله أن يرمي إلى الأولى عن الكل ثم الوسطى كذلك ثم الأخيرة كذلك كل محتمل والأول أقرب قياسا على ما لو استنيب عن آخر وعليه رمي لا يجوز له أن يرمي عن مستنيبه إلا بعد كمال رميه عن نفسه كما تقرر
