في زحمة الحياة.. هل تناسينا أصل وجودنا؟"
هم الذين حملوا في أرواحهم وأجسادهم أعباء الحياة، وصبروا على مرارتها وتجرعوا غصاتها ليصنعوا منا ما نحن عليه اليوم. هم أولئك الذين آثرونا على أنفسهم، فباتوا جياعاً لنشبع، وسهروا ليالي طوال لننعم بالراحة، ورفعوا أكف الضراعة إلى الله في خلواتهم، وفي صلواتهم، وفي أوقات مرضنا في أروقة المستشفيات، يدعون لنا بالصلاح والنجاح. إنها قائمة طويلة من التضحيات التي لا تُحصى، ولا تفيها كلمات الشكر حقها.
ومع ذلك، وفي ظل تقلبات الزمان، نشهد اليوم واقعاً مريراً ومؤلماً؛ حيث تنكر بعض الأبناء لتلك الأيادي البيضاء، خاضعين لضغوط الحياة أو متأثرين بكلماتٍ هدامة قد تأتي من شريك الحياة، فيتحول القلب الممتن إلى قلبٍ جافٍ لا يعرف إلا العقوق والصد. باتت ظاهرة هجر الآباء والأمهات، بل وإسماعهم كلمات التجريح، أو وضعهم في دور المسنين، أو تركهم وحيدين في البيوت بينما يهاجر الأبناء إلى أصقاع الأرض بحثاً عن دنياهم، ظاهرةً تتفشى في مجتمعاتنا بشكلٍ يدمي القلوب.
إن دور المسنين اليوم تعج بآباء وأمهاتٍ ينتظرون لمسة حانية، أو كلمة طيبة تذهب عنهم وحشة العمر. في مرحلة الشيخوخة، حيث يضعف البدن، وتتعثر الخطوات، ويصبح الإنسان في أمس الحاجة لمن يمسك بيده، يجد الكثيرون أنفسهم في عزلة تامة، يتجرعون كؤوس الوحدة وهم يرقبون الباب، بانتظار عودة الابن أو الابنة التي لم تأتِ.
حين نرى هؤلاء الذين أفنوا زهرة شبابهم من أجلنا يُتركون في هذه الظروف، لا نملك إلا أن نتذكر قول الله تعالى في كتابه العزيز: “يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ”. إنها حقيقة أزلية تتجلى صورها في دنيانا حين ينسى الابنُ فضل والديه، ليدرك متأخراً أن الرصيد الحقيقي ليس في المتاع، بل في البر والرحمة.
وخلف جدران دور المسنين، أو في زوايا البيوت الموحشة، تظل صرخة واحدة تتردد في أعماق قلوب الآباء المكلومين: “يا ترى، أين أولادي؟ ولماذا تركوني؟”
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا برّ آبائنا، وأن يعيننا على خدمتهم ورعايتهم كما رعونا صغاراً، وأن يجعلنا ممن يستحقون رضاهم ودعاءهم، فبهم نصل إلى رضا الله عز وجل. آمين.