تعجيلُ الزكاة جائزٌ أم لا؟

عندما نلفتُ انتباهَنا إلى هذه القضية نجد فيها فوائدَ كثيرة. فعلى سبيل المثال: في بلدنا فقيرٌ نحتاج إلى مساعدته لبناء بيته أو غير ذلك، لكن ليس عندنا من أموال الزكاة ما يكفي لذلك، فنطلب من خمسةِ أغنياءَ تعجيلَ زكاتهم لمساعدة هذا الفقير. وهذه مصلحةٌ راجحة.
ففي هذه الحالة: هل يجوز تعجيلُ الزكاة أم لا؟ وماذا قال الفقهاء في هذه المسألة؟ إن شاء الله سننبه على ذلك

مذهب الشافعية

، ولخصه الإمام النووي في المنهاج فقال: لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب ويجوز قبل الحول، ولا تعجل لعامين في الأصح. انتهى.
قال ابن حجر رحمه الله
(وَيَجُوزُ) التَّعْجِيلُ لِلْمَالِكِ دُونَ نَحْوِ الْوَلِيِّ (قَبْلَ) تَمَامِ (الْحَوْلِ) وَبَعْدَ انْعِقَادِهِ بِأَنْ يَمْلِكَ النِّصَابَ فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ وَتُوجَدُ نِيَّتُهَا مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ تَصَرُّفٍ وَذَلِكَ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ – ﷺ – رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ فِيهِ قَبْلَ الْحَوْلِ» وَلِوُجُوبِهَا بِسَبَبَيْنِ الْحَوْلِ وَالنِّصَابِ فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا كَتَقْدِيمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْحِنْثِ
(وَلَا تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ)
فَأَكْثَرَ (فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ وَأَطَالَ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهَا فَكَانَ كَالتَّعْجِيلِ قَبْلَ كَمَالِ النِّصَابِ وَرِوَايَةُ «أَنَّهُ – ﷺ – تَسَلَّفَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ» مُرْسَلَةٌ أَوْ مُنْقَطِعَةٌ مَعَ احْتِمَالِهَا أَنَّهُ تَسَلَّفَ مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ صَدَقَةَ مَالَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ مُنْفَرِدٌ وَإِذَا عَجَّلَ لِعَامَيْنِ أَجْزَأَهُ مَا يَقَعُ عَنْ الْأَوَّلِ وَقَيَّدَهُ السُّبْكِيُّ بِمَا إذَا مَيَّزَ وَاجِبَ كُلِّ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُجْزِئَ شَاةٌ مُعَيَّنَةٌ لَا مُشَاعَةٌ وَلَا مُبْهَمَةٌ
(وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ)
شَهْرِ (رَمَضَانَ) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِهِ بِيَوْمَيْنِ فَأَلْحَقَ بِهِمَا الْبَقِيَّةَ إذْ لَا فَارِقَ وَلِوُجُوبِهَا بِسَبَبَيْنِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَقَدْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ قُلْت يُنَافِيهِ أَنَّ الْمُوجِبَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ الصَّوْمِ كَمَا مَرَّ لَا أَوَّلُهُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ مَا ذُكِرَ قُلْت لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْجُزْءِ إنَّمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ الْوُجُوبُ لِتَحَقُّقِ وُجُودِ الْكُلِّ بِهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ أَوَّلَهُ أَوَّلُ ذَلِكَ السَّبَبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ نَظَرُو

قال الرملي قال الامام

وَيَجُوزُ) تَعْجِيلُهَا فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ (قَبْلَ) تَمَامِ (الْحَوْلِ) فِيمَا
انْعَقَدَ حَوْلُهُ وَوُجِدَ النِّصَابُ فِيهِ لِأَنَّهُ – ﷺ – أَرْخَصَ فِي التَّعْجِيلِ لِلْعَبَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ بِسَبَبَيْنِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْوَلِيِّ، أَمَّا هُوَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّعْجِيلُ عَنْ مُوَلِّيهِ سَوَاءٌ الْفِطْرَةُ وَغَيْرُهَا. نَعَمْ إنْ عَجَّلَ مِنْ مَالِهِ فَجَازَ فِيمَا يَظْهَرُ.
(وَلَا يُعَجِّلُ لِعَامَيْنِ فِي الْأَصَحِّ) وَلَا لِأَكْثَرَ مِنْهُمَا بِالْأَوْلَى إذْ زَكَاةُ غَيْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهُ وَالتَّعْجِيلُ قَبْلَ انْعِقَادِ الْحَوْلِ مُمْتَنِعٌ، فَإِنْ عَجَّلَ لِأَكْثَرَ مِنْ عَامٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا دُونَ غَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَ قَدْ مَيَّزَ حِصَّةَ كُلِّ عَامٍ أَمْ لَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ مَنْ عَلَيْهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً وَنَوَى بِهَا الزَّكَاةَ وَالتَّطَوُّعَ وَقَعَ الْكُلُّ تَطَوُّعًا ظَاهِرًا، وَحَمَلَ الْأَصْحَابُ تَسَلُّفَهُ – ﷺ – مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ عَلَى تَسَلُّفِهَا فِي عَامَيْنِ أَوْ عَلَى صَدَقَةِ مَالَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ مُفْرَدٌ. وَالثَّانِي يَجُوزُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الْمَارِّ، وَعَلَيْهِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ التَّعْجِيلِ نِصَابٌ كَتَعْجِيلِ شَاتَيْنِ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَاةً، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ وَجُمْهُورَ الْخُرَاسَانِيِّينَ إلَّا الْبَغَوِيّ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ وَأَنَّ الرَّافِعِيَّ حَصَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ انْعِكَاسٌ فِي النَّقْلِ حَالَةَ التَّصْنِيفِ قَالَ: وَلَمْ يَظْفَرْ بِأَحَدٍ صَحَّحَ الْمَنْعَ إلَّا الْبَغَوِيّ بَعْدَ الْفَحْصِ الشَّدِيدِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ يُرَدُّ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
(وَلَهُ) (تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ) لَيْلَةٍ مِنْ (رَمَضَانَ) لِانْعِقَادِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ إذْ هِيَ وَجَبَتْ بِسَبَبَيْنِ رَمَضَانُ وَالْفِطْرُ مِنْهُ وَقَدْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْآخَرِ وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْمُخَالِفِ فَأُلْحِقَ الْبَاقِي بِهِ قِيَاسًا بِجَامِعِ إخْرَاجِهَا فِي جُزْءٍ مِنْهُ (وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ) أَيْ التَّعْجِيلِ (قَبْلَهُ) أَيْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ عَلَيْهِمَا مَعًا كَزَكَاةِ الْمَالِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ قَبْلَ نَحْوِ يَمِينٍ. وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّ وُجُودَ الْمُخْرَجِ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ سَبَبٌ.
(وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بَدْوِ صَلَاحِهِ وَلَا الْحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ تَحْقِيقًا وَلَا ظَنًّا فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرِ وَانْعِقَادِ الْحَبِّ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إدْرَاكُ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ فَيَمْتَنِعُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي يَجُوزُ كَزَكَاةِ الْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِيمَا بَعْدَ ظُهُورِهِ أَمَّا قَبْلَهُ فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاحِ الثَّمَرِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ قَبْلَ الْجَفَافِ وَالتَّصْفِيَةِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ النِّصَابِ كَمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ. “نهاية المحتاج” (3/ 141

شروط تعجيل الزكاة

وشرط إجزاء -أي وقوع المعجل زكاة- بقاء المالك أهلا للوجوب عليه إلى آخر الحول، وبقاء المال إلى آخره أيضا، فلو مات أو تلف المال أو خرج عن ملكه -ولم يكن مال تجارة- لم يجزه المعجل.
وكون القابض له في آخر الحول مستحقا، فلو مات قبله أو ارتد لم يحسب المدفوع إليه عن الزكاة؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب”. انتهى بتصرف يسير.
مع التنبيه على أن الشرط الأول وارد في الزكاة العينية، أما عروض التجارة فيجوز فيها التعجيل قبل بلوغ النصاب؛ لأن النصاب فيها معتبر آخر الحول.
قال الشربيني رحمه الله: “خرج بالعينية: زكاة التجارة، فيجوز التعجيل فيها بناء على ما مر من أن النصاب فيها يعتبر آخر الحول، فلو اشترى عرضا قيمته مائة فعجل زكاة مائتين، أو قيمته مائتان فعجل زكاة أربعمائة وحال الحول وهو يساوي ذلك أجزأه”. “مغني المحتاج” (2/ 132). والله تعالى أعلم

مذهب الحنفية

حيث جوزوا تعجيل الزكاة لأكثر من عامين، قال السرخسي في المبسوط:
تعجيل الزكاة عن المال الكامل الموجود في ملكه من سائمة أو غيرها جائز عن سنة أو سنتين أو أكثر. انتهى

. الثاني: مذهب المالكية

حيث منعوا التقديم واستثنوا اليسير، ثم اختلفوا في تقدير هذا اليسير، فقيل يوم أو يومان، وقيل عشرة، وقيل شهران. الثالث: مذهب الشافعية، ولخصه الإمام النووي في المنهاج فقال: لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب ويجوز قبل الحول، ولا تعجل لعامين في الأصح. انتهى. الرابع: مذهب الحنابلة، قال المرداوي: يجوز تعجيلها لحولين فقط، وهو الصحيح من المذهب. وهو وجه صحيح عند الشافعية. والراجح هو جواز تعجيل الزكاة إذا انعقد سبب من أسباب الزكاة, وللزكاة سببان: هما النصاب والحول، فإذا انعقد الحول وهو السبب الأول جاز إخراج الزكاة

اعداد:عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top