كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى


الحمد لله الذي أشرقت بنور نبيه الظلمات، وتألفت ببعثته القلوب بعد الشتات، وجعل سنته سفينة نجاة ومنهاج حياة. نحمده سبحانه حمد الشاكرين الأبرار، ونستعينه استعانة المفتقرين بالليل والنهار، ونعوذ به من نزغات الشيطان ومحدثات الأوزار. من يهده الله فهو المهتدي حقًا، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رفع قدر نبيه وأعلى ذكراه، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبده ورسوله، ومصطفاه ومجتباه، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فصلوات ربي وسلامه علي سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الغر الميامين الأبرار، ومن سار على نهجه واقتفى أثره ما تعاقب الليل والنهار


​أما بعد، فيا عباد الله
اتقوا الله حق تقاته، وتزودوا بطاعته ورضاه، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ
​أيها المسلمون
إن شمس الهداية التي أضاءت الوجود هي بعثة المصطفى ﷺ، فما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًا إلا حذرنا منه، وجعله الله للأمة منارًا يُهتدى به، وميزانًا تُوزن به الأعمال والأخلاق، فقال جل في علاه:
​لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
​إن التأسي برسول الله ﷺ ليس شعارًا يُرفع، ولا كلماتٍ تُردد، بل هو منهاج حياة متكامل، ونبض يسري في شتى تفاصيل يومنا؛ في محراب العبادة، وفي بيوتنا مع أهلينا، وفي أسواقنا ومعاملاتنا، ومع القريب والبعيد، والموافق والمخالف.
​أولًا: الأسوة في العبادة والصلة بالله
كان ﷺ أتقى الناس لربه وأعرفهم به، ومع ما غُفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، كان يقوم الليل متبتلاً ضارعًا حتى تتورم قدماه الشريفتان، فلما سُئل عن ذلك قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». فكانت عبادته حبًا ورجاءً، وذكره لله دائمًا في كل أحيانه.
​ثانيًا: الأسوة في مكارم الأخلاق
لقد تجلت عظمة النبي ﷺ في خلقه العظيم الذي وسع القريب والغريب، وشهد له ربه من فوق سبع سماوات فقال تعالى
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ
وكان ﷺ أحسن الناس خَلقًا وخُلقًا؛ ما عاب طعامًا قط، ولا قابل الإساءة بالإساءة، بل يعفو ويصفح ويصل من قطعه. لما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه، قالت كلمة جامعة: «كان خلقه القرآن». فمن أراد رفعة الدرجات ومرافقة الحبيب في الجنات، فليتخلق بأخلاقه في الصدق والأمانة والحلم والتواضع.
​ثالثًا: الأسوة في المعاملات الأسرية والاجتماعية
كان ﷺ في بيته خير زوج وأكرم أب، يخدم أهله ويلاطف صغاره، القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ومع الناس في مجتمعه كان ألينهم جانبًا، يُجيب دعوة الضعيف، ويعود المريض، ويعدل في بيعه وشرائه، صادقًا في وعده، رحيمًا بأمته.
​فاتقوا الله عباد الله، وانظروا في مسار حياتكم: هل هدي النبي ﷺ حاضر في بيوتكم؟ وهل سنته متبعة في تعاملاتكم؟
​أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم

بقلم:عبد الله البلنوري

Scroll to Top