إعداد: عبد الله الثقافي البلنوري الهندي
مع التطور التكنولوجي المتسارع وانتشار الخدمات الرقمية في مختلف مجالات الحياة، ظهرت وسائل حديثة لأداء العبادات المالية، ومن أبرزها دفع الزكاة عبر المنصات الإلكترونية كالتطبيقات البنكية ومواقع الجمعيات الخيرية الموثوقة. وقد أسهمت هذه الوسائل في تسهيل إيصال الزكاة إلى مستحقيها بسرعة ودقة، مع ضمان الشفافية والتنظيم في عملية التوزيع. وتعد هذه الطريقة من النوازل المعاصرة التي بحثها الفقهاء في ضوء مقاصد الشريعة، حيث الأصل في الزكاة إيصالها إلى الفقير بأي وسيلة تحقق القبض وتضمن وصول الحق إلى مستحقه.
أهمية دفع الزكاة إلكترونيًا
تسهيل أداء فريضة الزكاة دون الحاجة إلى التنقل والبحث المباشر عن المستحقين.
سرعة وصول المال إلى الفقراء والمحتاجين في وقت قصير.
إمكانية إيصال الزكاة إلى مناطق بعيدة أو منكوبة يصعب الوصول إليها حيث يجوز نقل الزكاة.
تعزيز الشفافية والتنظيم من خلال التوثيق الإلكتروني والتحويلات الموثقة.
مواكبة التطور الرقمي في المعاملات المالية الحديثة.
فوائد الدفع عبر المنصات الإلكترونية
توفير الوقت والجهد على المزكِّي.
تقليل الأخطاء في حساب الزكاة وتحويلها.
توسيع دائرة المستفيدين من خلال المؤسسات الخيرية المنظمة.
إمكانية المتابعة والتأكد من وصول الزكاة إلى مستحقيها.
سلبيات أو تحديات هذه الوسيلة
احتمال وجود منصات غير موثوقة أو ضعيفة الأمان.
تأخر وصول الأموال أحيانًا بسبب الإجراءات التقنية أو البنكية.
احتمال خصم بعض الرسوم البنكية مما قد ينقص مقدار الزكاة.
ضعف الثقة لدى بعض الناس في المعاملات الرقمية.
عدم تحقق القبض المباشر للفقير في بعض الحالات إذا لم تُدار العملية بشكل صحيح.
والحاصل:
إن دفع الزكاة عبر المنصات الإلكترونية وسيلة معاصرة يمكن الاستفادة منها إذا توفرت فيها الموثوقية، والشفافية، وسرعة إيصال المال إلى المستحقين، مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحقق مقصود الزكاة في سد حاجة الفقراء والمحتاجين.
القضية تفصيليًا
إن إخراج زكاة المال عبر التحويلات البنكية أو التطبيقات الإلكترونية يعتبر نقدًا كامل الأحكام وتُجزئ كإيصالٍ مباشر للفقير، بشرط توفر الموثوقية، وسرعة التحويل، وتجنب البنوك الربوية إلا للضرورة. يجب أن تصل الزكاة كاملة للفقير، ولا يجوز خصم رسوم التحويل منها.
حكم الإخراج: ما وجدنا خلافًا على جواز إخراج الزكاة عبر التطبيقات البنكية والمحافظ الرقمية؛ وكونها تعادل النقد في التصرف والحكم.
عنصر “القبض”: التحويل المباشر لحساب الفقير يُعد بمثابة القبض باليد، حيث يصبح له حق التصرف فيه. فلا يشترط أن تسلم الزكاة لمستحقها باليد، ولا حرج في إرسالها عن طريق البنك، فإن وضعت في حساب مستحق الزكاة نفسه، فهذا قبض منه للزكاة؛ لأن وضع المال في الحساب يعتبر قبضًا صحيحًا. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: “من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعًا وعرفًا: إذا أودع في حساب العميل مبلغًا من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية”. اهـ.
وصرح ابن حجر رحمه الله بصورة القبض الحكمي:
“(وقبض) غير المنقول من (العقار) ونحوه كالأرض وما فيها من نحو بناء ونخل، ولو بشرط قطعه وثمرة مبيعة قبل أوان الجذاذ، وإلا فهي منقولة فلا بد من نقلها، ومثلها الزرع حيث جاز بيعه في الأرض أي إقباض ذلك (تخليته للمشتري) بلفظ يدل عليها من البائع (وتمكينه من التصرف) فيه بتسليم مفتاح الدار إليه أي إن وجد ودخل في البيع كما هو ظاهر مع عدم مانع حسي، أو شرعي؛ لأن القبض لم يُحد لغة، ولا شرعًا فحكم فيه العرف، وهو قاض بهذا وما يأتي”. (تحفة المحتاج).
يفهم منها أن القبض لم يحدد في اللغة ولا في الشرع تحديدًا دقيقًا، لذلك يُرجع فيه إلى العرف. العرف هو المرجع في تحديد القبض، وفي إرسال الزكاة إلى حساب المستحقين ووصولها إليهم يعد قبضًا لأن لهم تسلطًا كاملًا بالتصرف وغيره، وتأخير الوصول لا يعد مشكلة.
قال الشافعية والحنابلة: يجوز التأخير لعذر. ومما ذكره الشافعية من الأعذار: أن يكون المال غائبًا فيمهل إلى مضي زمن يمكن فيه إحضاره، وأن يكون بإخراجها أمر مهم ديني أو دنيوي، وأن ينتظر بإخراجها صالحًا أو جارًا. اهـ.
وإن تحويل مبلغ الزكاة مباشرة إلى حساب الفقير عبر التطبيق البنكي يُجزئ شرعًا، ويُعدّ كأن المزكّي سلّم المال بيده للمستحق، إذ يصبح للفقير حقّ التصرف بالمبلغ كيفما شاء. يجب على المزكّي أن يوصل الزكاة إلى أهلها كاملة دون أي نقصان، فلو كان إيصالها إلى الفقراء يحتاج إلى سفر ونفقات أو أجرة نقل أو تحويل بنكي؛ فإن ذلك يكون على صاحب المال، ولا يجوز خصمه من الزكاة.
قال النووي رحمه الله في “المجموع” (6/213): “حيث جاز النقل (أي نقل الزكاة إلى بلد آخر) أو وجب فمؤنته على رب المال” انتهى.
وقال المرداوي رحمه الله في “الإنصاف” (7/174): “أجرة نقل الزكاة – حيث قلنا به – على رب المال” انتهى.
لا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئًا لهذا السفر؛ لأن الواجب على مَنْ عليه الزكاة أن يوصلها إلى الفقير من ماله هو، فإذا كان يريد أن يذهب إلى مكان يحتاج إلى مؤنة سفر، فإنه يأخذ من صاحب المال الذي أعطاه مؤنة السفر، وأما حق الفقراء فيجب أن يُؤدى إليهم خالصًا.
مفهوم القبض الحكمي وضوابطه:
القبض الحكمي في الفقه هو تخلية المبيع (تمكين المشتري من التصرف فيه) دون نقل حسي فعلي، بحيث يعتبر المشتري حائزًا للسلعة شرعًا وعرفًا، ويترتب عليه آثار القبض الحقيقي كضمان التلف والقدرة على البيع. يشمل صوره المعاصرة القيود المصرفية النهائية، استلام مستندات الشحن، والشيكات المصدقة.
التعريف: هو تمكين المشتري من المبيع وتسليمه إياه تسليمًا معنويًا، بحيث يرتفع المانع بينه وبين السلعة.
المشروعية والأساس: يجوز القبض الحكمي عندما يقتضي العرف ذلك، أو عند الحاجة، وهو استثناء من الأصل (القبض الحقيقي).
الضوابط:
التمكين: أن يكون المشتري قادرًا على التصرف في المبيع فورًا.
التعيين: أن تكون السلعة محددة ومميزة.
المستندات: أن تمثل المستندات أداة حقيقية للسيطرة على البضاعة.
النهائية: في القيود المصرفية، يجب أن يكون القيد نهائيًا وغير قابل للإلغاء.
وقال الإمام الرملي: يكفي القبض الحكمي في بعض الأحوال “لأن قبض المشتري موجود في الثلاثة حكمًا وهو كاف”. (نهاية المحتاج).
ثم هناك موضوع آخر، وهو أن إرسال مبلغ الزكاة عبر الوسائل العصرية إلى خارج حدود البلد المؤدَّى فيه قد يؤدي إلى نقل الزكاة، مع ما يوجد من المستحقين في هذا البلد، فنقول: إن هذا أمرٌ طارئ لا يتعلق بذات المسألة. فالمسألة هي إرسالها عبر المنصات الإلكترونية الجاهزة، ثم إن هذا يتفرع على مسألةٍ أخرى، وهي: هل يجوز نقل الزكاة إلى بلدٍ آخر أم لا؟ فإن قيل بعدم الجواز كان في ذلك إشكال، وأما على القول بالجواز فلا يكون فيه إشكال، كما قرره الفقهاء في مواضعه بشروطٍ معتبرة

