فقهُ زكاةِ آلِ البيت في ضوءِ أقوالِ المذاهب

تُعَدُّ مسألةُ إعطاءِ الزكاةِ لآلِ بيتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من المسائلِ الفقهيةِ الدقيقة التي اعتنى بها العلماءُ قديمًا وحديثًا؛ لما تتعلَّق به من تعظيمِ مكانةِ أهلِ البيت، وبيانِ الأحكامِ الشرعيةِ المرتبطةِ بحقوقِهم المالية. وقد وردتِ النصوصُ النبويةُ الصريحةُ في منعِهم من أخذِ الصدقاتِ الواجبة، تكريمًا لشأنِهم وصيانةً لقدْرِهم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد».
غيرَ أنَّ هذه المسألةَ لم تَبْقَ في نطاقِ الحكمِ النظريِّ المجرد، بل ظهرتْ فيها نوازلُ وأحوالٌ جديدة، خاصةً بعد تعطُّلِ كثيرٍ من الأنظمةِ الماليةِ الإسلامية، وانقطاعِ ما كان مقرَّرًا لآلِ البيت من خمسِ الخمس، مما دفعَ الفقهاءَ إلى بحثِ حكمِ إعطائِهم من الزكاةِ عند الحاجةِ والفقرِ والحرمانِ من حقِّهم الأصلي.
ومن هنا نشأ الخلافُ الفقهيُّ بين أهلِ العلم: فذهبَ جمهورُهم إلى بقاءِ المنعِ مطلقًا، بينما رخَّصَ بعضُ المحققين في إعطائِهم من الزكاةِ إذا مُنعوا حقَّهم من بيتِ المال واشتدتْ بهم الحاجة، تحقيقًا لمقاصدِ الشريعةِ في حفظِ النفوسِ ودفعِ الضررِ عن المحتاجين.
وهذه المسألةُ تُظهرُ جانبًا مهمًّا من مرونةِ الفقهِ الإسلاميِّ وقدرتِه على الموازنةِ بين تعظيمِ النصوصِ الشرعيةِ ومراعاةِ الوقائعِ والأحوالِ المتجددة
وذلك لما روى مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس).
قال النووي رحمه الله: ” في قوله ( إن الصَّدَقَة لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ ): دَلِيل عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَة، سَوَاء كَانَتْ بِسَبَبِ الْعَمَل، أَوْ بِسَبَبِ الْفَقْر وَالْمَسْكَنَة وَغَيْرهمَا مِنْ الأَسْبَاب الثَّمَانِيَة , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا .
وقوله ( إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَّاس): تَنْبِيهٌ عَلَى عِلَّة فِي تَحْرِيمهَا…َأَنَّهَا لِكَرَامَتِهِمْ وَتَنْزِيههمْ عَنْ الأَوْسَاخ .
وَمَعْنَى ( أَوْسَاخ النَّاس ) أَنَّهَا تَطْهِير لأَمْوَالِهِمْ وَنُفُوسهمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)؛ فَهِيَ كَغُسالَةِ الأَوْسَاخ” انتهى

ففي المجموع للإمام النووي الشافعي: ولو منعت بنو هاشم وبنو المطلب حقهم من خمس الخمس هل تحل الزكاة ؟ فيه الوجهان المذكوران في الكتاب أصحهما عند المصنف والأصحاب لا تحل، والثاني: تحل. وبه قال الإصطخري. قال الرافعي: وكان محمد بن يحيى صاحب الغزالي يفتي بهذا، ولكن المذهب الأول.
وموضع الخلاف إذا انقطع حقهم من خمس الخمس لخلو بيت المال من الفيء والغنيمة أو لاستيلاء الظلمة واستبدادهم بهما. انتهى.
وقال المرداوي في الإنصاف وهو حنبلي
وقال جامع الاختيارات: وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة، ويجوز لهم الأخذ من زكاة الهاشميين. انتهى. فتلخص جواز الأخذ لبني هاشم إذا منعوا من خمس الخمس عند القاضي يعقوب وأبي البقاء وأبي صالح ونصر بن عبد الرزاق وأبي طالب البصري، وهو صاحب الحاويين والشيخ تقي الدين. انتهى.
وقال الحطاب في مواهب الجليل وهو مالكي : وتقدم في مصارف الزكاة عن ابن مرزوق أنهم إذا لم يعطوا ما يستحقونه من بيت المال وأضر بهم الفقر أنهم يعطون من الزكاة، وأن إعطاءهم أفضل من إعطاء غيرهم. انتهى.
وفي البحر الرائق شرح كنز الحقائق وهو حنفي: وأطلق الحكم في بني هاشم ولم يقيده بزمان ولا بشخص للإشارة إلى رد رواية أبي عصمة عن الإمام أنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه لأن عوضها وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقها، وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وللإشارة إلى رد الرواية بأن الهاشمي يجوز له أن يدفع زكاته إلى هاشمي مثله، لأن ظاهر الرواية المنع مطلقا. انتهى.
وفي أحكام القرآن للجصاص: وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الزكاة من بني هاشم تحل لبني هاشم، ولا يحل ذلك من غيرهم. انتهى

من خلال العبارات التي نقلتَها يمكن استخراج عدة أمورٍ معلومة ومتفقٍ عليها، وأخرى محلُّ خلاف، وهي:
أن الأصل عند جمهور الفقهاء عدمُ جواز إعطاء الزكاة لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبخاصة بني هاشم، استدلالًا بحديث:
«إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد».
وهذا هو المعتمد عند الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية في الجملة.
أن المقصود بالصدقة هنا: الزكاة الواجبة، لا مطلق الصدقات التطوعية؛ لأن صدقة التطوع قد أجازها كثير من العلماء لآل البيت.
أن علة المنع هي تكريمُ آل البيت وتنزيههم عن أوساخ الناس؛ أي أن الزكاة جعلها الله تطهيرًا لأموال المزكين، فناسب إبعاد آل البيت عنها تكريمًا لهم.
أن لآل البيت حقًّا ماليًّا بديلًا عن الزكاة، وهو نصيبهم من خمس الخمس من الفيء والغنيمة.
أن العلماء بحثوا مسألة: ماذا لو مُنع آل البيت من حقهم في خمس الخمس، أو تعطل بيت المال؟
فهنا وقع الخلاف.
أن طائفة من العلماء رأت بقاء التحريم حتى مع انقطاع حقهم من الخمس، وهو المذهب المعتمد عند أكثر الشافعية والحنفية وكثير من الفقهاء.
أن طائفة أخرى من أهل العلم أجازت إعطاءهم من الزكاة عند الحاجة إذا مُنعوا حقهم من بيت المال، رفعًا للضرر والفقر عنهم، وهو قول لبعض الشافعية والحنابلة والمالكية وبعض الحنفية، واختاره جماعة من المحققين
وبعض أصحاب أبي حنيفة
وبعض المالكية كابن مرزوق.
أن محل الخلاف ليس في الغني من آل البيت، وإنما في الفقير المحتاج الذي لم يصل إليه حقه من بيت المال.
أن بعض الحنفية نقلوا قولًا خاصًا بجواز دفع الهاشمي زكاته إلى هاشمي مثله، وإن كان ظاهر المذهب عندهم المنع مطلقًا.
أن كثيرًا من المتأخرين ربطوا الجواز بالحاجة والضرورة وتعطُّل نظام بيت المال الشرعي، وهو واقعٌ في أزمنة كثيرة.
فهذه أبرز المسائل المستفادة من النقول المذكورة

اعداد:عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top