فقه نقل الزكاة
مسألةُ نقلِ الزكاةِ من بلدٍ إلى بلدٍ آخرَ من المسائلِ الفقهيةِ المهمة، وقد تبرزُ فيها مصلحةٌ راجحةٌ أحيانًا؛ إذ قد تكون بعضُ البلادِ المجاورةِ أشدَّ حاجةً وفقراً من بلدِنا، لكثرةِ الفقراءِ والمساكينِ فيها، بينما يكون في بلدِنا عددٌ كبيرٌ من الأغنياءِ الذين يوزِّعون زكواتِهم على المحتاجين المحليين، فتتحققُ الكفايةُ إلى حدٍّ ما. أمّا البلدُ الآخرُ فقد يندرُ فيه الأغنياء، ويشتدُّ احتياجُ الفقراءِ إلى العونِ والمساعدة.
في هذه الحالة يثور التساؤل: هل يجوز نقلُ الزكاةِ إلى تلك البلاد؟ وإذا كان جائزًا، فما شروطُه وآدابُه؟ ومتى يكون نقلُ الزكاةِ ممنوعًا، ومتى يكون جائزًا في ضوءِ آراءِ الفقهاءِ؟
وسوف نحاول ـ إن شاء الله ـ إلقاءَ الضوءِ على هذه المسألة، مع بيانِ أقوالِ أهلِ العلمِ وأدلّتِهم، وذكرِ الضوابطِ الشرعيةِ المتعلقةِ بنقلِ الزكاة
: قال ابن حجر الهيتمي
وَالْأَظْهَرُ) وَإِنْ نُقِلَ مُقَابِلُهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَانْتُصِرَ لَهُ (مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) لِغَيْرِ الْغَازِي عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ عَنْ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ مِنْ الْفِطْرَةِ وَالْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَهُوَ فِيهِ مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقٍّ بِهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ بِهِ مُسْتَحِقٌّ لِتُصْرَفَ إلَيْهِ مَا لَمْ يَقْرَبْ مِنْهُ أَيْ: بِأَنْ نُسِبَ إلَيْهِ عُرْفًا بِحَيْثُ يُعَدُّ مَعَهُ بَلَدًا وَاحِدًا، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ سُورِهِ وَعُمْرَانِهِ فِيمَا يَظْهَرُ ثُمَّ رَأَيْت أَبَا شُكَيْلٍ قَالَ
ا وَمَحَلُّ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ سَوَادِ
قال في الشرواني
قَوْلُ الْمَتْنِ: وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) يُفْهِمُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْرِيمِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُمَا فِي الْإِجْزَاءِ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ: عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبُجَيْرِمِيِّ عَنْ الْقَلْيُوبِيِّ قَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا ل م ر: وَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَكَذَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَالْأَذْرَعِيِّ وَالسُّبْكِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ ٤/١١٣
قال في النهاية:
وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ الَّذِي بِهِ الْمُسْتَحِقُّونَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ مُسْتَحِقُّوهَا فَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلِامْتِدَادِ أَطْمَاعِ أَصْنَافِ كُلِّ بَلْدَةٍ إلَى زَكَاةِ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ، وَالنَّقْلُ يُوحِشُهُمْ، وَبِهِ فَارَقَتْ الزَّكَاةَ وَالنَّذْرَ وَالْوَصِيَّةَ لِفُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ إذَا لَمْ يَنُصَّ الْمُوصِي وَنَحْوُهُ عَلَى نَقْلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي الْجَوَازُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَانْتَصَرَ لَهُ وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ حَرُمَ وَلَمْ يَجُزْ، وَعُلِمَ مِنْ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِبَلَدِ الْمَالِ لَا الْمَالِكِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْمَدِينِ لَا الدَّائِنِ، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ. نهاية المحتاج ٦/٦
حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) .
[فَرْعٌ] مَا حَدُّ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُمْتَنَعُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْمُتَّجِهُ مِنْهُ أَنَّ ضَابِطَهَا فِي الْبَلَدِ وَنَحْوِهِ مَا يَجُوزُ التَّرَخُّصُ بِبُلُوغِهِ، ثُمَّ رَأَيْت حَجّ مَشَى عَلَى ذَلِكَ فِي فَتَاوِيهِ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ نَقْلُهَا إلَى مَكَان يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَيَجُوزُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجِ حاشية الشبراملسي
قال في مغني المحتاج:
وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ وَلَوْ عُدِمَ الْأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ وَجَبَ النَّقْلُ، ــ [مغني المحتاج] وَالْغُرَبَاءِ، وَلَكِنْ الْمُسْتَوْطِنُونَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ. (وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ الَّذِي فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ مُسْتَحِقُّوهَا فَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ قَالُوا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلِامْتِدَادِ أَطْمَاعِ أَصْنَافِ كُلِّ بَلْدَةٍ إلَى زَكَاةِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَالِ وَالنَّقْلُ يُوحِشُهُمْ. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ النَّقْلِ مغني المحتاج ٤/١٩١
وبالإضافة إلى ذلك، نجدُ كثيرًا من العباراتِ والأقوالِ لفقهاءِ الشافعيةِ في هذه المسألة، على سبيل المثال:
نص الامام الشافعي في «الأم» : (وإذا أخذت الصدقة من قوم قُسِمَتْ على من معهم في دارهم من أهل هذه السهمان ، ولم تخرج من جيرانهم إلى أحد حتى لا يبقى منهم أحد يستحقها) . الأم (١٥١/٣) . وفي مختصر المزني : ولا يُخرج عن بلد وفيه أهله. مختصر المزني (ص (١٥١) . ويشرح نص المزني الامام الماوردي (ت (٤٥٠هـ) في كتابه «الحاوي الكبير» ويذكر في المسألة قولين جديدين للشافعي : قول بجواز النقل ، وقول بعدم الجواز ، مع ترجيح القول بالمنع ، والاستدلال له ، والإجابة عن أدلة القول بالجواز وعبارته : (ولأن اختصاص الزكاة بالمكان كاختصاصها بأهل السهمان ، فلما لم يجز نقلها عن أهل السهمان لم يجز نقلها عن المكان ، وأما الأجوبة عن دلائل القول الأول ، فالآية قصدها بيان أهل الشهمان دون المكان فلم يُعدّل بها عن مقصودها الحاوي (٤٨١/٨-٤٨٣) . ويبدو أن القول الثاني قول جديد أيضا مروي عن الشافعي في غير «الأم» و«المزني» . وقد تقدم أن قولي الإمام إذا لم يعلم تقدم أحدهما أو تأخره ، يكون المعول في ترجيحأحدهما على الآخر مجموعة من القواعد كمابين في الموضع .
وأورد الإمام الحرمين (ت ٤٧٨هـ) في نهاية المطلب : في جواز نقل الصدقات قولان : أحدهما : يجوز لعموم قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء.. والثاني : لا يجوز ، لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) نهاية المطلب (٥٣٥/١١). ثم توسع في إيراد الفروع والمسائل على كلا القولين ، ولم يرجح أحدهما على الآخر. ومثله البغوي (ت ٥١٦هـ) في «التهذيب» .٢٠٣/٥
ثم فرع الامام النووي الخلاف في «الروضة» وفصل في تحرير محل الخلاف . وتفصيل المذهب فيه عند الأصحاب : أنه يحرم النقل ولا تسقط به الزكاة ، وسواء كان النقل إلى مسافة القصر أو دونها ، فهذا مختصر ما يفتى به . وتفصيله أن في النقل قولين : أظهرهما المنع . وفي المراد بهما طرق: أصحها أن القولين في سقوط الفرض ، ولا خلاف في تحريمه والثاني : أنهما في التحريم والسقوط معا والثالث : أنهما في التحريم ، ولا خلاف أنه يسقط ثم قيل : هما في النقل إلى مسافة القصر فما فوقها ، فإن نقل إلى دونها جاز . والأصح طرد القولين) . الروضة (۳۳۲/۲) فالنووي يشير بتعبير (الأظهر) إلى قوة الخلاف في المسألة بين قولي الإمام الشافعي ، مع ترجيح القول بالمنع لكن القول ضعيف في المذهب . ثم يشرح الأذرعي (ت (۷۸۳هـ) ذلك ويلخصه فيقول في كتابه قوت المحتاج شرحالمنهاج : قال: (وَالْأَظْهَرُ: مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاة) أي: عن الموضع الذي وجبت فيه وهو به؛ لخبر معاذ السالف عند اعتبار إسلام المستحق ولأن طمع مساكين كل بلدة يمتد إلى زكاة ما فيها من المال والنقل يوحشهم والثاني الجواز؛ لأن الآية مطلقة، وقياسًا على الكفارة والنذر والوصية على المذهب فيها، وفيه نظر، ثم أصح الطرق أن القولين في سقوط فرض الزكاة، وأما النقل لغير الإمام فحرام قطعا قال القاضي الحسين وعليه عامة أصحابنا، وقيل: بالعكس، وقيل: بجريانهما في الأمرين، وقيل: هما في النقل إلى مسافة القصر، ويجوز إلى ما دونها.
والحاصل أربعة أقوال : أصحها لا يجوز ولا يجزئ والثاني عكسه والثالث: يجزئ ولا يجوز والرابع: يجزئ ويجوز إلى ما دون مسافة القصر، ولا يجزئ ولا يجوز إليها). قوت المحتاج ، ج ٦ / ١٤٦. فتفرع من هذين القولين في المسألة أربعة أقوال ، أصحها : حرمة نقل الزكاة ، وعدم إجزائها إذا نقلت ويشير الامام الدميري (ت ۸۰۸هـ) إلى ترجيح القول بجواز النقل فيقول في « النجم الوهاج شرح المنهاج: « قال الخطابي والبغوى : عليه
أكثر العلماء ، واختاره الروياني وأفتى به ابن الصلاح وابن الفركاح عند وجود مصلحة لأجل قريب ونحوه). النجم الوهاج (٤٩٦/٦) . وشيخ الإسلام (ت ٩٢٦هـ) في «شرحالمنهج يقرر معتمد المذهب ويعرض عن الأقوال المخالفة للمعتمد (ولا يجوز للمالك) أي يحرم عليه ولا يجزيه (نقل زكاة) من بلد وجوبها مع وجود المستحقين فيه إلى بلد آخر فيه المستحقون ليصرفها إليهم، لما في خبر الصحيحين صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) . فتح الوهاب شرح منهج الطلاب (١٠٨/٤) .
ولكن تلاميذه كالشيخ ابن حجر (ت ٩٧٤هـ) في «التحفة» يشيرون إلى القول المقابل للأظهر ، يقول : (وَالْأَظْهَرُ) وإن نقل مقابله عن أكثر العلماء وانتصر له ( مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ ). تحفة المحتاج ، (۱۷۲/۷) . وكذلك الامام الرملي (ت ١٠٠٤هـ) في «النهاية : «وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ ) … وَالثَّانِي : الْجَوَازُ لإطلاقِ الْآيَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاء وَانْتَصَرَ لَهُ ) . نهاية المحتاج ، (١٦٧/٦) .
وإليه أشار أصحاب الحواشي وأرشدوا إلى تقليده للحاجة إلى ذلك كالقليوبي (١٠٦٩هـ) بقوله : قَوْلُهُ : ( وَالثَّانِي يَجُوزُ النَّقْلُ وَتُجْزِئُ ( وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافعي كَائِنِ الصَّلاحِ وَابْنِ الْفِركَاحِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا لشَيْحْنَا الرَّمْلِي : وَيَجُوزُ للشخصِ الْعَمَلُ بِه فِي حَق نَفْسه ، وَكَذَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ به من الأئمة ، كالأذرعي والسبكي وَالْإِسْنَوِي عَلَى الْمُعْتَمَد . حاشية على شرح المحلي (٢٠٤/٣) . ومثله الجمل (١٢٠٤هـ) على شرح المنهج (١٠٨/٤) . ومثله الشرواني (ت ١٣٠١هـ) على تحفة المحتاج (۱۷۲/۷) وهو الذي تعرض له الشيخ ابن حجر بالتفصيل عندما سئل عن ذلك في «الفتاوى وسئل رضي الله تعالى عنه : عما حكي عن الفقيه أحمد بن موسى نفع الله سبحانه وتعالى به أنه قال : ثلاث مسائل لا يفتى بها على مذهب الإمام الشافعي بل على مذهب الإمام أبي حنيفة وهن : 1 – نقل الزكاة ٢ – ودفع زكاة شخص إلى صنف واحد ۳ – وإلى شخص واحد. الفتاوى الكبرى (٧٥/٤) .
الفَرْضُ لأن طمع المساكين في كل بلد يمتد إلى ما فيها من المال، والنقل يُوحِشُهُمْ. والثاني: الجواز، ومنهم من قطع به، كما حكاه في البحر؛ لأن الآية مطلقة وبالقياس على الكَفَّارَةِ والنَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ فإن المذهب جواز نقلها، لكن الفرق أن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة، وأختار الروياني في الحلية الإجزاء، وقال ابن الصلاح في فتاويه وقد سئل عن النقل لقرابته إذا كان في غير بلده الأظهر جوازه بشرطه، وقال ابن عجيل اليمني: ثلاث مسائل في الزكاة يفتى فيها خلاف المذهب نقل الزكاة ودفع زكاة واحد إلى واحد ودفعها إلى صنف واحد. عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج – (٣ / ١١٥٢).
وفي نهاية الزين : قال ابن عجيل اليمني ثلاث مسائل في الزكاة يفتى فيها على خلاف المذهب نقل الزكاة ودفع زكاة واحد لواحد ودفعها إلى صنف واحد قال ولو كان الشافعي حيا لأفتى بذلك واختار جمع جواز دفع زكاة الفطر إلى ثلاثة فقراء أو مساكين وآخرون جوازه لواحد وأطال بعضهم في الانتصار له وفهم من ذلك أن مقتضى المذهب حرمة نقل الزكاة من محل وجوبها مع وجود المستحقين به إلى محل آخر والمراد بالمستحقين من كانوا فيها في ذلك الوقت وإن لم يكونوا من أهلها دون غيرهم ومحل الوجوب شامل للبلد والقرية والبحر والبر حتى لو حال الحول والمال في البحر حرم نقله إلى البر والمراد بمحل الوجوب المحل الذي حال الحول والمال فيه بالنسبة لزكاة المال أما زكاة الفطر فمحل الوجوب هو الذي غربت شمس آخر يوم من رمضان والشخص فيه والمراد بالمحل الآخر الذي يحرم نقل الزكاة إليه المحل الذي بالوصول اليه يجوز القصر للمسافر ولو خارج السور فإن عدمت الأصناف في محل وجوبها أو فضل عنهم شيء وجب نقلها أو الفاضل إلى مثلهم بأقرب بلد إليه فإن عدم بعضهم أو فضل عنه شيء رد نصيب البعض أو الفاضل عنه على الباقين إن نقص نصيبهم عن كفايتهم فإن لم ينقص نقل ذلك إلى ذلك الصنف بأقرب بلد إليه وهذا كله بالنسبة للمالك أما الإمام فله ولو بنائبه نقل الزكاة مطلقا نهاية الزين – (۱) / (۱۸۲) . وإليه أشار الامام المخدوم الصغير في شرح قرة العين بقوله “ويجوز عنده نقل الزكاة نعم إختار هذا القول جماعة من أئمتنا كما تقدم فعليك به .
وما يُستفادُ من العباراتِ المنقولةِ عن فقهاءِ الشافعية في مسألةِ نقلِ الزكاة ما يلي:
١) أنَّ المعتمدَ في المذهب الشافعي هو منعُ نقلِ الزكاة من بلدِ الوجوب إلى بلدٍ آخر إذا وُجد في بلدِ المال مستحقون للزكاة؛ لحديث:
«تؤخذُ من أغنيائِهم فتُردُّ على فقرائِهم»،
ولأنَّ فقراءَ كلِّ بلدٍ تتعلّق أطماعُهم بزكاةِ بلدهم، ونقلُها يُوحشُهم ويضرُّ بهم.
٢) أنَّ الخلافَ المذكورَ عندهم إنما هو في الإجزاء لا في أصلِ التحريم؛ ولذلك قال الشرواني نقلًا عن المغني:
٣) وأما التحريم فلا خلاف فيه
أي: أنَّ من نقل الزكاة مع وجود المستحقين في بلدها فقد ارتكب المكروه الشديد أو المحرَّم عندهم، لكن هل تبرأ الذمة وتجزئ الزكاة؟ فيه الخلاف.
٤) أنَّ القولَ الثاني يجوِّز النقل، وهو قولٌ قويٌّ نُقل عن أكثر العلماء، واستدلوا بإطلاق الآية الكريمة في مصارف الزكاة، ولم يروا الحديث مانعًا من النقل.
أنَّ بعضَ متأخري الشافعية أجازوا العمل بالقول الثاني عند الحاجة أو المصلحة، كما نقل البجيرمي عن القليوبي جواز العمل بقول من يوثق به من الأئمة، وهذا يفتح بابَ الترخيص عند وجود مصلحةٍ راجحة أو حاجةٍ شديدة.
٥) أنَّ الحاجةَ والفقرَ الشديدَ في بلدٍ آخر تُعدُّ من أقوى أسباب الترخيص في النقل، خاصةً إذا كان أهلُ بلد المزكّي قد حصلت لهم الكفاية أو كان في البلد الآخر مجاعةٌ أو فقرٌ أشد.
٦) أنَّ المنعَ إنما يكون إذا كانت المسافةُ تُعدُّ نقلًا عرفًا، وقد ضبط بعضهم ذلك بمسافة القصر؛ فما كان دونها لا يُعدُّ نقلًا مؤثرًا.
أنه إذا عُدم المستحقون في بلد المال وجب النقل، لأن المقصود إيصال الزكاة إلى أهلها، فلا يجوز تعطيلها.
٧) أنَّ العبرةَ ببلد المال لا ببلد المالك؛ فلو كان المال في بلدٍ وصاحبه في بلد آخر، فالأصل صرف الزكاة في البلد الذي فيه المال.
٨) وخلاصةُ المسألة
أنَّ الأصلَ عند الشافعية صرفُ الزكاة في بلدها وعدمُ نقلها مع وجود المحتاجين، لكن إذا وُجدت مصلحةٌ راجحةٌ ظاهرةٌ ـ كشدّةِ حاجةِ بلدٍ آخر، أو حصولِ الكفايةِ النسبيةِ في بلد المزكّي، أو وقوعِ المجاعات والكوارث ـ فإنَّ كثيرًا من أهل العلم رخَّصوا في النقل، لا سيما اعتمادًا على القول الثاني الذي قال به جمهورٌ من الفقهاء خارج المذهب، وبعضُ محققي الشافعية أيضًا
:وثانيا المذهب الحنفي
قال الامام أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسين القدوري الحنفي: ((تصرف الصدقة لأهل البلد
قال أصحابنا: الأولى أن تصرف صدقة كل بلد لأهل بلده ولا تنقل عنها إلا أن يكون النقل إلى قوم هم إليها أحوج إليها أو ينقل الرجل الزكاة إلى ذوي أرحامه فإن نقل الزكاة لغير هذين الوجهين كره ذلك وأجزأه. وهو أحد قولي الشافعي.
وقال في القول الآخر لا يجزيه وعليه الاعتماد. لنا: قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين وهذا عام في جميع الفقراء وقال وفي أموالهم حق للسائل والمحروم. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم واردها في فقرائكم وهذا خطاب للمسلمين فكأنه قال وأردها في فقراء المسلمين وهو عام.
فإن قيل: نقل الصدقة مكروه عندكم فكيف يحمل عليه الظاهر؟ قلنا لا يكره النقل عندنا إلى من هو أحوج ولا إلى ذي الرحم فيستدل بالظاهر في جواز النقل في هذين الموضعين وهو خلاف قولهم. ٢٠٣٠٥ – فيدل عليه ما روى ابن طاووس أن معاذ قال لأهل اليمن: (أنتوني الخميس واللبيس أخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير فإنه أيسر عليكم وأنفع لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار فأخبر أن ينقل الصدقة إلى المدينة وإن كان في زمن أبي بكر فهو إجماع اهـ التجريد للقدوري – (٨ / ٤١٩٣) .
أن الأفضل في الزكاة والفطرة والنذور الصرف أولا إلى الإخوة والأخوات ثم إلى أولادهم ثم إلى الأعمام والعمات ثم إلى أولادهم ثم إلى الأخوال والخالات ثم إلى أولادهم ثم إلى ذوي الأرحام من بعدهم ثم إلى الجيران ثم إلى أهل حرفته ثم إلى أهل مصره أو قريته ولا ينقلها إلى بلد أخرى إلا إذا كانوا أحوج إليها من أهل بلده أو قريته والله أعلم.اهـ الجوهرة النيرة – (۲ / ۱) .
وثالثا المذهب الحنبلي :
وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في الفروع ويجوز نقل النذر والكفارة والوصية في الأصبح. اهـ
وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف أنه يجوز نقل الكفارة والنذر والوصية المطلقة إلى بلد تقصر فيه الصلاة على الصحيح من المذهب، وعلى أكثر الأصحاب وصححوه اهـ الإنصاف – (٣ / ١٤٥).
ورابعا المذهب المالكي :
قال العلامة أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي : ومن المسائل وجوب تفرقتها بموضع الوجوب، وهو الموضع الذي فيه المال وفيه المالك والمستحقون بالنسبة للحرث والماشية حيث كان لهما ساع، وأما النقد وعروض التجارة فهو موضع المالك كالحرث والماشية إن لم يكن ساع وفي حكم موضع الوجوب ما قرب منه وهو ما دخل مسافة القصر وأما الخارج عن مسافة القصر فلا يجزئ نقل الزكاة إليه إلا أن يعدم المستحق بموضع الوجوب أو قربه، أو يكون مساويا لفقراء موضع الوجوب، وأولى لو كان أعدم فتجزئ في الجميع اهـ الفواكه الدواني – (۲ / ۷۸۰

