القرآن الكريم للمكفوفين: أحكام الكتابة والقراءة وضرورات التيسير

إعداد: عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

وعنايةُ الشريعة الإسلامية بالقرآن الكريم شملت جميع فئات المجتمع، ومنهم المكفوفون؛ حيث هيّأ الله لهم وسائلَ تُعينهم على تعلّمه وقراءته، ومن أبرزها كتابته بطريقة “برايل” التي تمكّنهم من تلاوته بأناملهم كما يتلوه المبصرون بأعينهم.

كتابة القرآن باللغة العربية

الأصل في القرآن الكريم أن يُكتب ويُقرأ باللغة العربية؛ لأنها لغة الوحي التي نزل بها، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. ولذلك يجب الحفاظ على رسمه العربي وضبطه، سواء في المصاحف العادية أو المكتوبة بطريقة برايل.

حكم قراءة وكتابة القرآن بغير اللغة العربية

يفرّق العلماء بين القرآن نفسه وبين ترجمته:

فالقرآن لا يكون قرآنًا إلا إذا كان باللغة العربية، ولا تصح تلاوته في الصلاة بغيرها.

أما ترجمته إلى لغات أخرى فهي جائزة على أنها تفسيرٌ لمعانيه، لا أنه قرآن، ولا تُسمّى ترجمةً مطلقةً، ويُشترط فيها الدقة والأمانة.

كتابة القرآن بطريقة “برايل” للمكفوفين

تعتمد هذه الطريقة على “الرسم الصوتي” (Phonetic Transcription) عبر نقاط بارزة تُدرك باللمس.

وقد ظهرت هذه الطريقة مبتكرة في الأعصار الأخيرة؛ لتساعد فاقدي حاسة الإبصار من المكفوفين على القراءة عن طريق حاسة اللمس، فيما عُرف بـ”طريقة برايل”. وهي عبارة عن مجموعة من الرموز، يتكون كل رمز فيها من عمودين، بكل عمود ثلاث نقاط، بعضها يكون بارزًا؛ بحيث يستطيع الكفيف، من خلال لمس الرمز بأنامله وتحديد النقاط البارزة فيه، قراءةَ المكتوب ونطقه باللغة التي استُعملت فيها هذه الطريقة.

وقد استُعملت هذه الطريقة في اللغة العربية عام 1878م، وتم تحديد رموزها في مقابلة كل حرف من أحرف الهجائية العربية؛ فكل حرف في الهجائية العربية يدل عليه تكوينٌ خاص من النقاط البارزة بكل رمز في هذه الطريقة.

الحكم الفقهي

لا مانع شرعًا من كتابة القرآن بهذه الطريقة للحاجة الماسّة فقط؛ ليتمكن المكفوفون من تلاوة كلام الله.

قال العلامة البدر العيني في “البناية شرح الهداية” (12/237):

“وما كتب سلمان رضي الله عنه الفاتحة بالفارسية كان للضرورة”. وطريقة برايل ضرورة تعليمية لغير المبصرين.

فقد ورد أن الفرس كتبوا لسلمان الفارسي رضي الله عنه أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكانوا يقرأون ما كتب حتى لانت ألسنتهم. انظر: “المبسوط” للإمام السرخسي (1/37، ط. دار المعرفة).

وقد احتمل الإمام بدر الدين الزركشي الجواز إذا كانت الكتابة بغير القلم العربي تساعد من لا يُحسن أن يقرأه بالعربية؛ فقال في “البرهان” (1/380):

[هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي؟ هذا ممّا لم أرَ للعلماء فيه كلامًا، ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: “القلم أحد اللسانين”، والعرب لا تعرف قلمًا غير العربي، قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]] اهـ.

ونظير ذلك ما نصّ عليه فقهاء الشافعية من جواز مخالفة طريقة القراءة المأثورة بتقطيع الحروف لحاجة التعلُّم؛ قال العلامة شهاب الدين بن قاسم العبادي في حاشيته على “تحفة المحتاج” للعلامة ابن حجر (6/160):

[الوجه: جواز تقطيع حروف القرآن في القراءة في التعليم؛ للحاجة إلى ذلك] اهـ.

ويجوز كتابة القرآن بغير العربية، بخلاف قراءته بغير العربية فتمتنع. وفي “ع ش” عن “سم” على “حج”: شرواني.

(فرع) أفتى شيخنا “م ر” بجواز كتابة القرآن بالقلم الهندي، وقياسه جوازه بنحو التركي أيضًا. شرواني.

قال في “البجيرمي”:

“ويجوز كتابة القرآن بغير العربية، بخلاف قراءته بغير العربية فتمتنع. وهل يجوز كتابته بالرجل مع قدرته على كتابته باليد أم لا؟ فيه نظر، والأقرب المنع؛ لأنه لا يُقصد بذلك إلا مجرد الفراسة، إلا أن يُحمل الجواز على ما إذا اضطر لنحو نفقة، وانحصرت في اكتسابه بكتابة القرآن بما ذُكر. وفائدة كتابته بغير العربية، مع حرمة القراءة بها، أنه قد يُحسنها من يقرؤه بالعربية؛ أي: ويحرم مسّه وحمله، والحالة ما ذُكر؛ لأن مسمّياتها ودوالّها إنما هو القرآن؛ لأنه لو قيل لمن كتبه بالهندي: انطق بما كتبه، نطق بلفظ القرآن”، نقلَه “اط ف ع” عن “ع ش”. وفيه على “م ر” نقلًا عن “سم” على “حج”:

(فرع) وأفتى شيخنا “م ر” بجواز كتابة القرآن بالقلم الهندي، وقياسه جوازه بنحو التركي أيضًا.

(فرع آخر) الوجه: جواز تقطيع حروف القرآن في القراءة في التعليم للحاجة إلى ذلك. اهـ.

ويُفهم من هذه النصوص الفقهية أن كتابة القرآن بشكل برايل للأعمى جائزة بالنسبة إليهم لهذا التعلم فقط، وتُعدّ كتابة القرآن بطريقة برايل للمكفوفين من الحاجات الضرورية؛ لأنها وسيلتهم الأساسية لتعلّم كتاب الله وقراءته. والله أعلم.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top