أثرُ الدَّينِ في وُجوبِ الزكاةِ عند الفقهاءِ: دراسةٌ مقارنةٌ في الأموالِ الظاهرةِ والباطنةِ

تُعَدُّ مسألةُ أثرِ الدَّينِ في وجوبِ الزكاةِ من المسائلِ الفقهيةِ الدقيقةِ التي كثر فيها بحثُ الفقهاءِ قديمًا وحديثًا، لما يترتب عليها من آثارٍ عمليةٍ تمسُّ حياةَ الناسِ الماليةَ والمعيشية. وتبرزُ أهميةُ هذه القضيةِ بصورةٍ أوضحَ في العصرِ الحاضر؛ بسببِ كثرةِ المعاملاتِ الماليةِ، وانتشارِ القروضِ والديونِ الشخصيةِ والتجاريةِ، مما يجعلُ معرفةَ حكمِ الزكاةِ مع وجودِ الدَّينِ أمرًا في غايةِ الحاجة.

وقد اختلفَ الفقهاءُ في هذه المسألةِ على أقوالٍ متعددة؛ فذهبَ فريقٌ إلى أنَّ الدَّينَ يمنعُ وجوبَ الزكاةِ في بعضِ الأموالِ أو كلها، بينما رأى آخرون أنَّه لا يمنعُ الزكاةَ مطلقًا، مستدلين بإطلاقِ النصوصِ الواردةِ في إيجابِ الزكاةِ على مَن ملكَ النصاب. كما فرَّق بعضُ أهلِ العلمِ بين الأموالِ الظاهرةِ والأموالِ الباطنةِ، فجعلوا للدَّينِ أثرًا في بعضها دون بعض.

ومن هنا تظهرُ الحاجةُ إلى تحريرِ محلِّ النزاع، وبيانِ مذاهبِ الفقهاءِ وأدلتِهم، مع توضيحِ الضوابطِ التي ينبني عليها تأثيرُ الدَّينِ في الزكاة، خاصةً فيما يتعلقُ بالأموالِ النقديةِ وعروضِ التجارةِ في واقعِنا المعاصر

وأما عن الدين فإن مذهب جمهور العلماء من المالكية والحنابلة والشافعية في وجه هو أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة، وهي الأنعام السائمة والحبوب والثمار والمعادن، دون الأموال الباطنة التي هي عروض التجارة والذهب والفضة وما يقوم مقامها الآن من الأوراق النقدية،

ويشترط أن يكون الدين مستغرقا لكل المال أو ينقصه عن النصاب، مع عدم وجود أموال أخرى -غير زكوية- يمكن جعلها في مقابل الدين. وذهب الحنفية إلى أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة وفي السوائم، أما ما وجب في الخارج من الأرض فلا يمنعه الدين

قال ابن حجر الهيتمي

(وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ) الَّذِي فِي ذِمَّةِ مَنْ بِيَدِهِ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ (وُجُوبَهَا) عَلَيْهِ (فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لَهَا وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنِصَابٍ نَافِذِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَلَوْ زَادَ الْمَالُ عَلَى الدَّيْنِ بِنِصَابٍ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ قَطْعًا كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَا يُوفِيهِ غَيْرَ مَا بِيَدِهِ وَالثَّانِي يَمْنَعُ مُطْلَقًا (وَالثَّالِثُ يَمْنَعُ فِي الْمَالِ الْبَاطِنِ وَهُوَ النَّقْدُ) الْمَضْرُوبُ وَغَيْرُهُ وَمِنْهُ الرِّكَازُ تحفة ٣/٣٣٦
وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ) أَيْ وَإِنْ اسْتَغْرَقَ النِّصَابَ نِهَايَةٌ شرواني

قال في المغني

وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا) سَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَمْ لَا، مِنْ جِنْسِ الْمَالِ أَمْ لَا، لِلَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ أَمْ لَا (فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ) لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلزَّكَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ نَافِذُ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: يَمْنَعُ كَمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ.
(وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ النَّقْدُ) وَلَوْ عَبَّرَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِيَشْمَلَ غَيْرَ الْمَضْرُوبِ كَانَ أَوْلَى،، وَالرِّكَازُ (وَالْعَرْضُ) وَلَا يَمْنَعُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْمَاشِيَةُ وَالزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَالْمَعْدِنُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الظَّاهِرَ يَنْمُو بِنَفْسِهِ وَالْبَاطِنَ إنَّمَا يَنْمُو بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالدَّيْنُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَحُوجُ إلَى صَرْفِهِ

مغني المحتاج

وفي إعانة الطالبين (2/199): “يجب أداءها أي الزكاة، وإن كان عليه دين مستغرق حال لله أو لآدمي، فلا يمنع الدين وجوب الزكاة”.
قال المرغيناني الحنفي في “الهداية” :
” ومن كان عليه دين يُحيط بماله فلا زكاة عليه ؛ لأنه مشغول بحاجته الأصلية ، فاعتبر معدوما ” انتهى .

وقال ابن قدامة في “المغني” (2/633) :

” الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة ، وهي الأثمان وعروض التجارة ، وبه قال عطاء‏ ,‏ وسليمان بن يسار ، وميمون بن مهران ، والحسن‏ ,‏ والنخعي ، والليث ، ومالك ‏,‏ والثوري ، والأوزاعي ، وإسحاق ‏,‏ وأبو ثور ، وأصحاب الرأي .
وقال ربيعة ، وحماد بن أبى سليمان‏ ,‏ والشافعي في جديد قوليه ‏:‏ لا يمنع الزكاة ؛ لأنه حر مسلم ملك نصابا حولا فوجبت عليه الزكاة ، كمن لا دين عليه ” انتهى
ويعلم مما ذكر من اقوال الفقهاء
اتفاق الفقهاء على أصل المسألة واختلافهم في أثر الدين
جميع الفقهاء متفقون على وجوب الزكاة عند تحقق شروطها، لكنهم اختلفوا: هل الدَّين يمنع وجوب الزكاة أم لا؟
تقسيم الأموال إلى ظاهرة وباطنة
الأموال الظاهرة: كالسائمة، والزروع، والثمار، والمعادن.
الأموال الباطنة: كالذهب والفضة، وعروض التجارة، والنقود الورقية المعاصرة.
مذهب الجمهور (المالكية والحنابلة والشافعية في وجه) الدَّين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، لكنه قد يمنعها في الأموال الباطنة.

شرط تأثير الدين عند الجمهور

يشترط أن يكون الدَّين: مستغرقًا لجميع المال، أو
منقصًا له عن النصاب، مع عدم وجود مال آخر غير زكوي يمكن سداد الدين منه.
مذهب الحنفيةالدَّين يمنع الزكاة في:
الأموال الباطنة، والسوائم أيضًا،
لكنه لا يمنع الزكاة فيما يخرج من الأرض كالزروع والثمار.
مذهب الشافعية في الأظهر
الدَّين لا يمنع الزكاة مطلقًا، سواء: كان حالًّا أو مؤجلًا، لله تعالى أو للآدمي،
من جنس المال أو من غير جنسه.
تعليل الشافعية لعدم المنع
لأن صاحب المال: مالك للنصاب حقيقة،
وله حق التصرف فيه،
والنصوص الشرعية أطلقت وجوب الزكاة دون استثناء المدين.
وجود أقوال أخرى داخل المذهب الشافعي
قول يمنع الزكاة بالدَّين مطلقًا.
وقول يفرق بين المال الظاهر والباطن، فيمنع في الباطن فقط.
سبب التفريق بين المال الظاهر والباطن
لأن: المال الظاهر ينمو بنفسه،
أما المال الباطن فنماؤه يعتمد على التصرف والتجارة، والدَّين يشغل المال ويمنع تنميته.
تصريح شروح الشافعية
مثل الشرواني وإعانة الطالبين:
حتى لو استغرق الدين جميع النصاب، فالزكاة واجبة على الأظهر عند الشافعية.
استدلال الحنفية ومن وافقهم
قالوا إن المدين محتاج إلى المال لقضاء دينه، فصار المال كالمعدوم بالنسبة للزكاة.
نقل ابن قدامة للخلاف
ذكر أن جمهورًا كبيرًا من السلف والفقهاء يرون أن الدين يمنع زكاة الأموال الباطنة، بينما الشافعي في الجديد وبعض العلماء لا يرون المنع.
ثمرة الخلاف في العصر الحاضر
يظهر أثر الخلاف خصوصًا في: أصحاب القروض البنكية، التجار، أصحاب السيولة النقدية،
من يملك أموالًا مع وجود ديون طويلة الأجل.
الراجح عمليًا عند كثير من العلماء
أن الدين الحالّ الذي يستغرق المال أو ينقص النصاب يُخصم غالبًا من الأموال النقدية وعروض التجارة، أما الأموال الظاهرة فلا يمنع زكاتها.
الخلاصة الجامعة
المسألة خلافية معتبرة بين الأئمة، وأقوى الأقوال ثلاثة: عدم المنع مطلقًا، المنع مطلقًا،
التفريق بين الأموال الظاهرة والباطنة، وهو قول كثير من الفقهاء

اعداد:عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top