الحياء زينة الإيمان وحصن الأخلاق
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أمر بمكارم الأخلاق، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تنير القلوب وتزكي النفوس، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وقدوةً للسالكين، صلى الله وسلم وبارك علي محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فإن تقوى الله خير زاد، وأعظم ما يحفظ الإنسان في دنياه وأخراه.
أيها المسلمون، إن حديثنا اليوم عن خُلُق عظيم من أخلاق الإسلام، وعن صفة كريمة إذا سكنت القلب زيّنته، وإذا ظهرت على الجوارح جمّلت صاحبها، وإذا انتشرت في المجتمع حفظته من كثير من الشرور والفتن، ألا وهو الحياء.
عباد الله، إن الحياء ليس ضعفًا ولا جبنًا، وليس عجزًا عن الكلام أو خوفًا من الناس، وإنما الحياء قوة إيمانية ورقابة داخلية تجعل الإنسان يستحي من الله تعالى أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
قال رسول الله : الحياء شعبة من الإيمان
وقال ﷺ:«إن لكل دين خُلُقًا، وخُلُق الإسلام الحياء».وقال عليه الصلاة والسلام:
«الحياء لا يأتي إلا بخير».
فما أعظم هذا الخُلُق الذي جعله النبي ﷺ من الإيمان، وأخبر أنه لا يأتي إلا بالخير!
أيها المؤمنون، إن الحياء يحفظ للإنسان كرامته، ويمنعه من الوقوع في القبائح والرذائل، ويجعله يراقب الله تعالى في السر والعلن، ويحفظ لسانه عن الفحش والبذاءة، ويحفظ عينيه عن الحرام، وأذنيه عن سماع ما لا يرضي الله، ويديه ورجليه عن المعاصي.
عباد الله، إن أول ما ينبغي أن نغرسه في قلوبنا هو الحياء من الله تعالى.
كيف لا نستحي من الله، وهو الذي خلقنا ورزقنا وأسبغ علينا نعمه ظاهرًا وباطنًا؟
كيف يستعمل العبد نعمة الله في معصيته، وهو يعلم أن الله يراه ويسمعه ويعلم سره ونجواه؟
قال الله تعالى : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى
فالحياء الحقيقي يبدأ من مراقبة الله تعالى، فإذا امتلأ القلب بتعظيم الله، استحيا صاحبه أن يعصيه
أيها المسلمون، ومن ثمرات الحياء أنه يقوي الإيمان، ويحفظ الإنسان من المعاصي، ويصون الكرامة والعِرض، ويهذب الأخلاق، ويعوّد النفس على الأدب والوقار. والإنسان الحيي محبوب بين الناس؛ لأنه لا يؤذي أحدًا بلسانه، ولا يتجاوز حدود الأدب في معاملته، ولا يتعمد إهانة الآخرين أو كشف عيوبهم.
وكم نحن بحاجة إلى الحياء في بيوتنا، وفي مدارسنا، وفي جامعاتنا، وفي مجالسنا، وفي وسائل التواصل الاجتماعي!
فقد أصبح الإنسان يستطيع أن يكتب كلمة في لحظات، وقد تكون هذه الكلمة سببًا في فتنة، أو إساءة، أو قطيعة، أو إهانة، ثم ينسى أنه مسؤول عنها أمام الله تعالى.
قال الله سبحانه
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
فيا عبد الله، قبل أن تكتب، وقبل أن تتكلم، وقبل أن تنشر، اسأل نفسك: هل يرضى الله عن هذه الكلمة؟
أيها الأحبة، إن من أعظم ميادين الحياء تربية الأبناء والشباب.
علّموا أبناءكم الحياء، ولكن لا تخلطوا بين الحياء والضعف.
فالحياء ليس أن يسكت الإنسان عن الحق، وليس أن يخاف من قول كلمة الحق، وليس أن يمنعه الخجل من السؤال عما يحتاج إلى معرفته.
إنما الحياء أن يستحي الإنسان من المعصية، وأن يستحي من الظلم، وأن يستحي من الكذب، وأن يستحي من الفحش، وأن يستحي من إيذاء الناس.
أما في الحق والخير، فالمؤمن شجاع.
عباد الله، إن من أسباب اكتساب الحياء: معرفة الله تعالى واستحضار مراقبته، والتدبر في نعمه، وقراءة القرآن والسنة، والتعرف على أخلاق النبي ﷺ، وصحبة الصالحين وأهل الأدب، ومجالسة العلماء والمربين، والتربية الصالحة في الأسرة، ومحاسبة النفس، وتذكر الموت والوقوف بين يدي الله تعالى.
ومن أعظم ما يقتل الحياء: إطلاق البصر في الحرام، ومتابعة المحتوى الفاحش، والإكثار من مشاهدة المشاهد السيئة، وسماع الكلمات البذيئة، ومصاحبة أهل السوء، والتساهل في المعاصي.
فالحياء إذا ضعف في القلب، سهلت المعصية على الإنسان، وإذا اعتاد المعصية ولم يعد يشعر بقبحها، قسا قلبه وضعف إيمانه.
عباد الله، إن فقدان الحياء ليس أمرًا بسيطًا؛ بل له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع.
فمن أضرار فقدان الحياء: الجرأة على المعاصي، وسوء الأخلاق، وانتشار الفحش والبذاءة، وسقوط هيبة الإنسان وكرامته، والتهاون بالآداب الشرعية والاجتماعية، وفساد العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتأثر الأطفال والشباب بالسلوكيات المنحرفة، وضعف مراقبة الله تعالى في القلب.
ولهذا كان الحياء حصنًا يحمي الإنسان قبل أن يقع في الخطأ.
أيها المؤمنون، إن المجتمع الذي ينتشر فيه الحياء ينتشر فيه العفاف والأدب والرحمة والاحترام، أما إذا مات الحياء، ظهرت الجرأة على الحرام، وانتشر الفحش، وضعفت الأسرة، وضاعت هيبة القيم والأخلاق.
فلنُحيِ الحياء في بيوتنا، ولنعلّمه أبناءنا، ولنكن قدوة لهم بأفعالنا قبل أقوالنا.
اللهم زيّننا بحسن الأخلاق، وجمّلنا بالحياء، وطهّر قلوبنا، واحفظ ألسنتنا وجوارحنا من الحرام.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم